إدارة العمليات في الخطة التشغيلية للأعمال

يُعَد أساس إدارة العمليات هو نظرية الإدارة العلمية. فقد طور فريدريك تايلور الإدارة العلمية كما رأينا، لتقديم التنظيم والجدولة والتنسيق والتوحيد والتعاون بين العمال في عملية الإنتاج، إذ رأى تايلور أنّ مصنع الإنتاج عبارة عن منظمة كبيرة متعدِّدة الأوجه بها العديد من الأنشطة المترابطة التي يجب أن تعمل كآلة واحدة كبيرة، فقرّر تنسيق أنشطة كلّ عامل داخل مجموعة واحدة مع أنشطة العمال الآخرين داخل نفس المجموعة، ثمّ تنسيق كلّ مجموعة عُمّالية مع مجموعات عُمّالية أخرى، بعدها تجميع مجموعات العمال في مجموعات أكبر، للحفاظ على حركة المواد خلال عملية التصنيع.

سواءً كنت تعمل في بيئة تصنيع مادة خام إلى منتج نهائيّ، أو في بيئة تقدّم للعملاء خدمات وتجارب مستخدم، فيجب أن تكون المكوّنات الخمسة لإدارة العمليّات: التنظيم والجدولة والتنسيق وتوحيد المقاييس والتّعاون هي أساس أنشطة شركتك، وللحصول على نتائج مثمرة، يجب أن يكون لدى الشركة مدخَلات مهمة، يظهرها الشّكل 10.12، هي المال، والطّرائق، والآلات، والأشخاص، والقيادة. فإذا غاب أو نقص أحد هذه المدخلات، زاد احتمال عمل الشركة بفعالية ناقصة، وهو ما يعرّضها أكثر لخطر الفشل.

الشكل 8.12: تشكّل العناصر التّالية أساس إدارة العمليّات: المال، والطّرائق، والآلات، والأشخاص، والقيادة. حفظ الحقوق: تصميم مسجّل باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت ترخيص CC BY 4.0

المال

غالبًا ما نستخدم المصطلحات الثّلاثة التّالية على أنّها مترادفات: المال، والنقد، والعملة. لكنّها في الواقع مختلفة المعاني والتّطبيق، فالمال هو كلّ أداة قانونيّة يمكن استخدامها في تبادل السّلع والخدمات.

يشير مصطلح النقد عادةً إلى النقود المادية أو العملة، ولكنه يشمل أيضًا الودائع في حساب (الإيداع أو الادّخار أو الحساب الجاري) في مؤسسة مالية، إذ يمكن للعملاء الدفع مقابل مشترياتهم على سبيل المثال، باستخدام النقود الورقية، أو القطع المعدنية، أو الصّكوك، أو بطاقات الخصم، أو بطاقات الائتمان، بغضّ النظر عن شكل الإيداع، إذ سيظهر الرصيد النقدي في الميزانية العمومية للشركة وهو المبلغ المالي المتاح للشركة لسداد ديونها والتزاماتها.

وأخيرًا، فالعملة هي نقود ورقية مطبوعة، أو قطع معدنيّة مسكوكة، ومصدّرة، ومدعومة من حكومة وطنيّة؛ حيث تنقسيم إلى فئات، أو وحدات في كلا شكليها. ومع توسع التجارة الدولية جنبًا إلى جنب مع الحركة الواسعة للأشخاص بين البلدان، فمن المهم معرفة رائد الأعمال لكيفية تأثير الأسواق العالمية على قيمة العملات، إذ تقرِّر كلّ حكومة وطنية ما هي فئات العملة التي ستنتجها، وتتحدّد قيمة العملة الوطنية بموازنتها بعملة وطنية أخرى، وقد تزداد أسعار المواد الخام والإمدادات التي تنشأ في بلد آخر كثيرًا بسبب انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، أو زيادة في قيمة أموال بلد المنشأ. وبالمثل، فقد تنخفض أسعار المواد الخام والإمدادات بسبب التغيّر في قيمة العملة.

تُعَدّ معرفة وفهم كيفية تأثير السياسات والأنشطة النقدية الدولية على رائد الأعمال المحلي، أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النمو طويل الأجل والقدرة على البقاء، حيث يجب أن يكون لديك فهم وإلمام بالتكاليف المتوقعة للمواد، بالإضافة إلى الأموال الكافية المتاحة في الوقت المناسب للوفاء بالتزاماتك المالية.

السيولة Liquidity هي مقياس لقدرة الشركة على الوفاء بديونها والتزاماتها الفورية والقصيرة الأجل (أي المستحقة خلال عام واحد)، وهي طريقة لوصف مدى قدرتك على تغطية التزاماتك الحالية باستخدام أصولك الحالية. تكمن فائدة توفّر السّيولة في قدرة الشّركة على الوفاء بالتزاماتها الماليّة في الوقت المحدّد، وفي إطار زمنيّ قصير جدًّا عادةً، فهذا يقلّل المخاطرة الّتي يتحمّلها المقرضون، ولهذا تقلّ نسبة الفائدة المتّفق عليها. وكذا الحال بالنّسبة لشركات التّأمين الّتي قد تقلّل الأقساط نتيجة توفُّر السيولة والدّفع المنضبط، كما قد يقدِّم البائعون خصومات نقديّة للمدفوعات المبكّرة. ولهذا كلّه يُعَدّ الحفاظ على السيولة أمرًا حيويًا لنجاح الأعمال التجارية الصغيرة، حين تصعب إمكانية استخدامها الخيارات المالية الأخرى.

تشمل المصادر الأخرى للنقد، حسابات الائتمان، مثل: خط الائتمان، أو بطاقة ائتمان الشركة، أو الحسابات المستحَقة الدفع، أو القروض، أو سمعتك الشخصية. ويُعَدّ خط الائتمان line of credit، أو اختصارًا “LOC” اتفاقًا بين البنك والمودِع، حيث يوفِّر البنك الحد الأقصى من المال الذي يمكن للمودع اقتراضه في أيّ وقت خلال مدة القرض، ويدفع المقترض رسومًا خلال المدة، سواءً كان هناك رصيد مستحَق أم لا، كما يدفع فائدةً عند وجود رصيد على القرض، وتُعَدّ كلّ مصادر النقد هذه أكثر تعقيدًا وتتضمّن تخطيطًا وإعدادًا أكثر من السّيولة، ومع ذلك فمصادر الأموال غير التقليدية هذه، تُعَدّ ضروريةً عادةً لصاحب العمل الجديد من أجل دفع تكاليف الأنشطة التجارية قبل بدء الشركة في تحصيل الأموال من عملائها. قد يصبح سوء إدارة حسابات الديون قصيرة الأجل عبئًا على الشركات الصغيرة بسهولة، ولإدارة الالتزامات المالية للشركة إدارةً أفضل، يحتاج صاحب المشروع إلى معرفة الأدوات المالية المتاحة وكيفية استخدامها، وكذا حسن اختيار الأداة التي يجب استخدامها لأيّ غرض يواجهه.

التمويل Financing هو استخدام المال لإنجاز أنشطة الشركة، على أن تتطابق وسيلة الدّفع مقابل مَورِد ما مع متوسّط عمره المتوقَّع، فيكون سداد الدّيون طويلة الأجل، مثل: الأراضي، والمباني، والمعدّات، والآلات؛ عبر الأدوات المالية طويلة الأجل الّتي تسمّى الدّيون المضمونة secured debt، ذلك أنّ القرض المستخدم في شراء الأصول أو الموارد طويلة الأجل يكون عادةً أقصر عمرًا منها. فلنفترض أنّك اشتريت آلةً متوسّط عمرها عشر سنوات، وتموِّلها عبر قرض تدفعه بالكامل في أقلّ من عشر سنوات، حيث يكون الغرض هنا هو تحقيق إيرادات تتجاوز قيمة سداد القرض وفوائده، بحيث تجني الآلة ثمن القرض الّذي اشتريتها به، وتزيد عليه ثمن الفائدة على القرض، وتكاليف التّشغيل، والتّأمين وأيّ ضرائب عليها.

يجب سداد الالتزامات قصيرة الأجل أو الحالية، مثل: كشوف المرتبات، والضرائب، والتأمين، وجميع الأنشطة التشغيلية الأخرى، من خلال المصادر النقدية قصيرة الأجل، إذ تحدث معظم التزامات الدفع قصيرة الأجل كلّ أسبوع (كشوف المرتبات)، أو على الأقل كلّ شهر (تأمين وإيجار)، وتشمل المصادر النقدية قصيرة الأجل المبيعات، والذِّمم المدينة، والمدفوعات المقدَّمة، وخطّ الائتمان.

يؤدّي الخلط بين إستراتيجيات التمويل طويلة وقصيرة الأجل إلى تعريض الاستقرار المالي للشركة إلى الخطر، وقد يؤدّي سوء إدارة الشؤون المالية إلى خلق حالة لا تستطيع فيها الشركة سداد فواتيرها في الوقت المحدد. وبالطّبع، فإذا فشلت الشّركة في دفع مستحقّاتها قصيرة الأجل، فلن تعمِّر طويلًا.

تُعَدّ إدارة الأموال التي تُحصّل وتُنفق، إحدى أهم مسؤوليّتين على عاتق رائد الأعمال، حيث يكون التدفّق النّقدي إيجابيًّا عندما يتجاوز المال المستلَم المُنفَق. والعكس، فعندما يتجاوز المال المنفقُ المستلمَ، فسيكون التدفّق النّقدي سلبيًّا.

تواجه جميع الشركات والمؤسسات تدفقات نقدية سلبية في وقت ما. ولهذا يخصِّص المديرون الجيّدون حساب توفير، أو إمكانية الوصول إلى أموال أخرى من أجل سداد الالتزامات المالية الحاليّة، ولكنّ المهمّ هو تحقيق تدفّقٍ نقديٍّ إيجابيّ على المدى الطّويل.

عندما تفتقر إلى المال لدفع الفواتير، يمكنك الاعتماد على إحدى ثلاثة طرائق بديلة: فإمّا الائتمان، أو النّقد عند التّسليم، أو العربون. وقد يستخدم بائعو رواد الأعمال جميع طرائق الدفع الثلاثة. وبالمثل، يمكن لرائد الأعمال استخدام الثلاثة لجمع الأموال من العملاء.

عندما تكون الفواتير مستحَقّة ولا تملك الشركة نقودًا كافيةً لدفع الفواتير أو يكون التوقيت غير ملائم، فيجب على الشركة استخدام الائتمان، والائتمان Credit هو الوعد بالدفع لاحقًا مقابل شيء حصلت عليه، وقد يأتي الائتمان قصير الأجل بدون رسوم ولا فائدة، مثل الحسابات الدائنة (راجع فصل التّمويل والمحاسبة الرّياديّان)، بحيث يوافق البائعون على تسليم السّلع إلى زبائنهم المعتادين دون استلام ثمنها وقت التّسليم، على أن يكون هناك اتّفاق مُسبَق حول يوم أو فترة الدّفع.

يُعَد الدفع عند التسليم payment at the time of delivery عمليّةً شائعةً يجب على العديد من الشركات الناشئة اتّباعها، فعندما يتمّ التسليم، يُحرّر سائق التوصيل أو الوكيل عبر الإنترنت المنتج للعميل بمجرّد استلام ثمنه، وقد تُثقِل طريقة الدفع هذه شركةً ناشئةً ليس لديها سيولة. من ناحية أخرى، يمكن للشركة الناشئة تقليل خسائرها من خلال طلب الدّفع عند التّسليم من عملائها الجدد، حيث تتلقّى مدفوعات، كما يكون لديها الأموال اللازمة لدفع التزاماتها الخاصة.

بالنسبة للمنتجات الفريدة أو المتخصصة، يطلب بعض البائعين عربونًا من العميل قبل تصنيع المنتج. حيث يُقِّل هذا العربون deposit من خسارة البائع في حالة تراجع العميل عن الشّراء، بحيث يصعب بيع المنتج المخصّص لشخص آخر. كما أنّ العربون يوفِّر النقد للبائع الذي يحتاج إلى شراء المواد الخام لصنع المنتج النهائي. وبالنسبة إلى رائد الأعمال المبتدئ، فقد يؤدي الدفع مقابل المنتجات مسبقًا إلى إجهاد النقد المتاح للعمليات الجارية. ومع ذلك فإذا قدّم عملاء صاحب المشروع دفعةً مقدّمةً قبل إنتاج المنتج، فسيكون صاحب المشروع كأنّما حصل على قرض بدون فوائد من العميل.

تُستخدم طرائق الدفع الثلاثة هذه في المعاملات التجارية، حيث يجب أن يساوي النقد الناتج خلال كلّ دورة مالية المصاريف المدفوعة خلال كلّ دورة، أو يتجاوزها، وإلاّ فقد تجد الشّركة نفسها بدون أيّ أموال، فيستحيل عليها تحمُّل تكاليف البقاء في العمل.

الطرائق

تُسمّى دراسة كيفية تنفيذ العمل بيئة العمل ergonomics، وهي تتضمن تصميم، وترتيب، وتنسيق الأدوات والمعدّات. بحيث تكون حركة العمال الذين يستخدمونها آمنةً وفعالة، وتمرّ المنتجات عبر محطّات العمل المناسبة في الوقت المناسب وبنجاعة.

ربما تكون طرائق العمل أكثر أهميةً عند استخدام الآلات والمعدّات المعقّدة، ويجب أن تؤدّي الحركة التدريجية للمنتجات من مرحلة إلى أخرى إلى تقليل وقت وجهد الموظفين، ممّا يقلِّل التكاليف. فيكون تسليم المواد الخام إلى أقرب موقع تُستخدم فيه، كما يكون نقل وتخزين المواد الكبيرة في كلّ نقطة تجميع أسهل وأكفأ من تخزينها في موقع آخر ثمّ نقلها عند الحاجة إلى محطّات العمل. و لا يقلّ عن ذلك أهميّة تسليم المخزون في الوقت المناسب.

تطبّق شركات الخدمات أيضًا نهج خط التجميع عندما يصبح العمال بارعين في مهامهم، حيث يمكنهم أداء الحد الأدنى من الإجراءات اللازمة لإكمال مهمّة ما دون التضحية بالجودة.

تستخدم العديد من مطاعم الوجبات السريعة، مثل: مكدونالدز McDonald’s وصبواي Subway، نهج خط التجميع لإعداد الطعام بأحسن وأسرع طريقة، ففي تحضير الهامبرغر مثلًا، يختار موظّف الخبز، ويضيف إليه المقدار المناسب من اللّحم، ثمّ يدفعه إلى العامل التّالي الّذي قد يضيف إليه البصل والجبن والطّماطم والخسّ، قبل أن يمرّره إلى المحطّة التّالية. وبمجرّد انتهاء إعداد الهامبرغر، يصل إلى العامل الأخير الّذي يغلّفه ويضعه على طبق أو في كيس حسب رغبة العميل.

عندما تقتصر مهام الموظفين على وظائف قليلة جدًا، فإنّ تكرار الحركة يجعل عملهم أسرع، وينتج عن هذا التخصص جودة أعلى. إذ يسمح التخصص لكلّ عامل بزيادة الإنتاجية، وتحسين الكفاءة وتقليل الأخطاء.

لقد أصبح تقسيم العمل هذا مكونًا رئيسيًا في النماذج الاقتصادية الغربية، وهي فكرة شرحها آدم سميث لأول مرة سنة 1776 في كتابه “ثروة الأمم The Wealth of Nations”، وذلك باتّخاذه صانعي الدّبابيس مثالًا. إذ افترض سميث أنّ تقليل عدد مهام كلّ صانع دبابيس سيجعلهم يحسّنون كفاءتهم الحركيّة، مما يؤدّي إلى توحيد الجودة، ورفع مستوى الإنتاج، فهذه الزيادة في نوعية وكمية العمل تزيد من إنتاجية وربحية العامل، كما يحدث التعاون بين العمال المتقاربين تلقائياً وطبيعيًّا، بحيث يلغي ضعف أحدهم اجتهاد الآخر. ومع ذلك يستمر استبدال العمل البشري بالآلات والأدوات الإلكترونية المصنّعة خلال الثّورة الصّناعيّة، وثورة التّقنية الحديثة. لكنّ هذا لا يلغي الحاجة إلى العمل البشري الّذي يبقى ضروريًّا في خطّ الإنتاج، سواءً في إنشاء المنتجات، أو تجميعها، أو أداء الخدمات.

الآلات

ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر، حوّلت الثورة الصناعية العمل من القوة العضلية إلى القوة الميكانيكية، ومنذ ذلك الحين استخدم البشر الآلات لأداء مهامًا أكبر مما يمكنهم تحقيقه بأنفسهم، أو باستخدام حيوانات كبيرة، حيث توفِّر الآلات تناسقًا في العمل وأداءً أسرع من العمال البشريين، وبتكاليف أقل لكلّ وحدة مصنوعة. ولكن قد يكون الإنفاق النقدي الأوليّ على الآلات كبيرًا.

بالنسبة إلى رائد أعمال مبتدئ، فقد يكون شراء الآلات مهمةً صعبة، ومعقّدة، وتستغرق وقتًا طويلاً. لذا يجب على المرء أولًا النظر إلى إجمالي تكاليف الملكية total costs of ownership أو اختصارًا TCO، وهي التكلفة الشاملة لامتلاك عناصر رأسمالية كبيرة، بما في ذلك التكاليف المباشرة الأولية، والتكاليف المباشرة للتشغيل، والتكاليف غير المباشرة. تُعَدّ صيانة وإصلاح المعدّات التشغيلية أمرًا صعبًا، خاصةً عندما تتطلّب جداول الإنتاج تشغيل الماكينة، وقد يكون التخطيط السيئ مكلفًا للغاية، خاصةً بالنسبة للشركات الناشئة، لأنّ قدرتك على إنتاج المنتجات وتسليمها في الوقت المحدَّد تنعكس على موثوقيتك لكلٍّ من عملائك وموظفيك.

عند اتخاذ قرارات شراء المعدات، يجب مراعاة جميع التكاليف المرتبطة بالشراء، بالإضافة إلى قدرة الجهاز على تحقيق الدخل أو خفض التكاليف، حيث لا تشمل هذه النفقات سعر الشراء فحسب، بل تشمل أيضًا تكاليف التسليم، والتركيب، والإعداد، والمعايرة، والتشغيل؛ كما يجب أيضًا مراعاة الفائدة المدفوعة على القرض جزءً من تكلفة الحصول على المعدّات، وهو عامل يتجاهله العديد من أصحاب الأعمال الجدد، ولكنّ المحاسب الجيّد لا يفوته هذا.

تتضمّن التكاليف المخفية لعمليات الشراء الرئيسية تكاليف تشغيل معيّنة، غير أنّ أصحاب الأعمال الجدد غالبُا ما يُركِّزون على سعر الشراء -والذي يشار إليه أحيانًا بسعر الملصق- بدلًا من التركيز على التكاليف الإجمالية المرتبِة بالمعدّات، إذ تتطلّب المعدّات الرئيسية طرائق توصيل خاصة، وتكاليف شحن أخرى، كما قد يتعيّن تركيبها بواسطة فنيين مختصّين عند استلامها في الموقع، إضافةً إلى إمكانية احتياجك في بعض الحالات إلى تقوية أرضية الموقع لتحمّل الوزن الجديد، وربّما تحتاج أيضًا إلى ترقية الإمداد الكهربائي للتعامل مع التيار الضروري، كما يحتمل أن تكون هناك حاجة لعمليات تفتيش محلية، أو حكومية، للحصول على تصريح لتشغيل الجهاز. وفي بعض الأحيان، تتطلب وثائق تأمين المسؤولية عمليّات تفتيش وترخيصات، بالإضافة إلى التصاريح الحكومية. كل هذه النفقات الإضافية ترفع التكاليف الإجمالية للحصول على المعدّات. وهذه النّفقات في غالب الأحيان باهظة، ولا سبيل إلى استردادها حتّى عند بيع المعدّات.

تُصنّف عملية شراء الآلات والمعدّات الرئيسية الأخرى على أنّها مشتريات رأسمالية أو نفقات رأسمالية. حيث أنّ النّفقات الرأسمالية capital expense هي عملية شراء رئيسية لأصل وظيفي من المتوقِّع استمراره لأكثر من ثلاث سنوات، أو احتفاظه بقيمة ماليّة حتّى بعد استهلاكه بالكامل. ومن الأفضل دفع هذه النّفقات الرّأسماليّة الّتي تشمل المباني، والمعدّات، والآلات، والمفروشات، باستخدام الاقتراض حتى يتسنّى للشركة استخدام سيولتها لدفع المصاريف التشغيلية operational expenses، وهي تلك المرتبطة بالأنشطة اليومية المستمرة للأعمال، مثل: المخزون، واللوازم المكتبية، والأجور، والتأمين، والمرافق.

عند تعيين أصلٍ تملكه الشّركة ضمانًا للدّين، يضع المُقرِض رهنًا على ذلك الأصل، وهذا يجعل الدّين مضمونًا، بحيث تغطّيه قيمة إعادة بيع الأصل. ولتخفيف العبء المالي للمشتريات الرئيسية، فالاستهلاك وانخفاض قيمة تلك الأصول تُحتَسب مصروفًا في بيان الدّخل، وهذا يقلّل الدّخل الخاضع للضّريبة، كما يقلّل من النّفقات الخاضعة للضّريبة.

من الممارسات المعتادة والمفيدة أن يكون جدول السداد للمصاريف الرأسمالية مساويًا أو أقل من متوسط العمر المتوقَّع للمعدّات. تشتري شركة على سبيل المثال، طابعة نقل حراري من المتوقَّع استمرارها لمدة عشرين عامًا، ثم تموّلها من خلال قرض تسدّده قبل انتهاء العشرين عامًا. على الرغم من أنّ سداد الدين قبل استهلاك الأصل بالكامل يُعَدّ أمرًا مثاليًا، إلا أنّ في بعض الحالات قد تمتدّ شروط القرض إلى ما بعد جدول الاستهلاك.

لأداء الآلات حدود، فالسعة المطلقة Absolute capacity هي أكبر حجم للوحدات يمكن للآلة إنتاجها خلال فترة زمنية محددة؛ أمّا السعة التشغيلية Operational capacity، فهي عدد الوحدات التي يمكن توقُّع إنتاجها خلال فترة زمنية محدَّدة. الفرق بين الاثنين هو الاحتياطي التشغيلي operational reserve، نظرًا لإمكانية احتياج الآلات إلى التسخين، وتحميل المواد وتفريغها، أو تشحيم الوصلات المتحرِّكة، أو فحص الأحزمة والخراطيم وإصلاحها، أو القيام بوظائف تشغيلية أخرى، فلا يمكن للآلات العمل بقدرة مطلقة لفترة طويلة من الوقت.

عند حساب مستويات الإنتاج، يكون من السهل المبالغة في تقدير عدد الوحدات المنتَجة، فلكي تعمل طابعة النقل الحراري بطريقة صحيحة، يجب تحميل الورق، وتحبير الأسطوانات، وضبط مشابك التّعذية. ثمّ طباعة ورقة اختبار أو اثنتين للتحقّق من كفاية الحبر ووضوح الصّورة. كلّ هذه الأنشطة الضرورية تستغرق وقتًا، لكنها في الواقع غير منتِجة، ونظرًا لأنّ كلّ نشاط تجاري سيكون له متطلّبات وتأثيرات فريدة على السعة، فأفضل طريقة لتحديد السعة التّشغيليّة هي تتبُّع أدائك بمرور الوقت وحساب المتوسط. خلافًا لذلك، سيكون الحصول على المعطيات من أحد مستشاريك، أو من منافس ودود كافيًا لأغراض التخطيط والميزانية.

الآلات تكلِّف المال لتعمل، ويُعَدّ تحسين الكفاءات وحجم الإنتاج دافعًا رئيسيًا لشراء معدّات جديدة، ولهذا قبل اتّخاذ قرار الشّراء، يجب أن تأخذ في الحسبان الزيادة في الوحدات المنتجة، وفرق التكاليف التشغيلية لكلّ وحدة، وتقليل النفايات، وتحسين جودة المنتجات. فإذا قرّر بقّال لديه ثلاجة قديمة لا تزال تحتفظ بالطعام في درجة الحرارة المطلوبة أن يستبدلها بواحدة جديدة مثلًا، فستتغيّر حتما تكاليف تشغيلها، ولكنّ ذلك ليس له تأثير على عدد المواد الغذائية التي تخرج منها وتباع، أي يمكن النظر فقط إلى الفرق في التكلفة الفعلية للكهرباء بين الثلاّجيتن. وفي مثال آخر، فآلة القوالب التي تقلِّل من النفايات، وترفع عدد القطع المنتجة في الساعة تستحقّ الاستمرار.

جميع الآلات عرضة للتعطّل عادةً وفي وقت ومكان غير مناسبين، حيث تشبه محاولة إصلاح المعدّات المعطّلة وهي مطلوبة للإنتاج، محاولة طاقم الطريق إصلاح الحُفر دون إيقاف حركة المرور. لذلك فمن الضّروري في الإدارة جدولة وقت الإنتاج production time (وقت التّشغيل): وهو مقدار الوقت الذي تُنتِج فيه الآلة المنتجات الموجّهة إلى البيع فعليًا؛ أمّا وقت التوقّف down time، فهو الوقت الذي لا يحدث فيه الإنتاج بسبب الإصلاح، أو إعادة تخزين المخزون، أو العمل غير المجدوَل.

يقلِّل الجدول الزمني للصيانة المخطَّطة بانتظام والذي يتضمّن الإصلاحات الوقائية وعمليات التفتيش، من وقت التعطل غير المتوقَّع وفشل المعدّات. لهذا فجدولة الإصلاحات قبل أن تكون ضرورية، فهي تجعل المعدّات تعمل بكفاءة وسلاسة، وتساعد على تقليل التكاليف على المدى الطويل، كما تسمح بإدارة النفقات بطريقة أفضل؛ إذ لا تؤدّي الأعطال غير المتوقَّعة في المعدّات إلى مقاطعة العمليات فحسب، بل قد تؤخِّر تسليم المنتجات والخدمات إلى العملاء، وهذا قد يضرّ بموثوقيتك، ويؤثِّر سلبًا على ثقة العملاء في مصداقيتك، مما قد يؤثِّر على المبيعات المستقبلية.

ستصبح كلّ آلة في وقت ما، قديمةً وبحاجة إلى الاستبدال، وقد يكون امتلاك أحدث وأكبر قطعة من المعدّات إغراءً لا يستطيع حسابك المصرفي تحمله. يُعَدّ استبدال المعدّات، سواءً كانت معدّات صناعية رئيسية تحتاج إلى تركيب احترافي، أو معدّات مكتبية قد يُعدّها الموظفون، قرارًا حاسمًا، وفي كثير من الأحيان، قد تكون معايير اختيار المعدّات الجديدة هي نفس المعايير المستخدمة لوصف قدرة المعدّات القديمة، كما قد يكون استخدام متطلّبات العمل القديمة للمعدّات الجديدة أمرًا مقبولًا في صناعة تخضع لتغييرات قليلة جدًا على مدى فترة طويلة جدًا. ومع ذلك فمعظم الصناعات تتغير جذريًّا وتحتاج إلى معدّات حديثة.

لا يُنشئ رواد الأعمال منتجات وخدمات جديدة فحسب، بل يعيدون أيضًا تعريف المشكلة، وقد يحتاجون إلى إجراء تعديلات لحلّ العوامل البيئية الأخرى، إذ لم تكن هناك حاجة إلى الطرق المعبّدة مثلًا قبل ظهور السيارات، كما لم تكن النّشاطات التّجاريّة التي توفِّر البنزين وأعمال إصلاح السيارات ضروريةً قبل انتشار السيارات. وبهذا لم تغيّر السيّارات المنتجة بكثرة كيفيّة تصنيعها وحسب، بل غيّرت الطّريقة الّتي يتحرّك بها النّاس.

تفكّر فيما حدث مع أفني باتل طومسون Avni Patel Thompson وأعمال رعاية الأطفال التابعة لها بوبي Poppy.

ما الدروس التي يمكنك تعلّمها من تجربتها وأنت تنظر إلى توربينات الرياح المنزلية؟

ما هي أوجه التشابه بين شركة موجَّهة للخدمات، وشركة موجَّهة نحو المنتج؟ ما هي الاختلافات الموجودة بين الاثنين؟

هل يريد أصحاب المنازل حقًا طريقةً جديدةً لتزويد منازلهم بالطاقة؟ ما هي أوجه التشابه بين شراء جهاز كبير للمنزل وللعمل التجاري؟ وما هي الاختلافات الموجودة؟

قد تتغير أيضًا طلبات العملاء كثيرًا داخل الصناعة بمرور الوقت، تمامًا كما قد تتغير الاحتياجات المحدّدة للشركة تغيّرًا ملحوظًا، ولتلبية الاحتياجات الجديدة للعملاء الخارجيين، والاحتياجات الداخلية الجديدة للشركة، فقد تكون الآلات ذات التقنية الجديدة والبناء الأكثر تقدمًا إلزاميةً. لذا فيجب أن تخطِّط من ثلاث إلى خمس سنوات في المستقبل لعمليات الشراء الرئيسية للمعدّات، والآلات، والأدوات، والمرافق، ومستويات المهارات. السؤال ليس “ماذا أحتاج اليوم؟” ولكن “ما الذي سأحتاجه بعد خمس سنوات من اليوم؟”

قد يكون للتداول في المعدّات القديمة قيمةً لا تظهر دائمًا في المستندات المالية، فعندما يحتاج ممثِّلو المبيعات لكبار الشركات المصنِّعة إلى تلبية الحصص، فقد يكونون على استعداد لتقديم خطة تمويل إيجابية للغاية لوضع معدّاتهم في شركتك بدل معدّات منافسيهم الّتي تملكها. لكن يجب عدم تجاهل البائع الحالي، فقد يكون مورّد الماكينة الحالي لديك حريصًا جدًا على الاحتفاظ بالعملاء، وقد يعرض أخذ معدّاتك القديمة مقايضةً، ممّا يقلل من سعر شراء المعدّات الجديدة، أو قد يكون مورّدك الحالي قادرًا على تقديم شروط أفضل من المنافسين، أوحتّى تقديم الإمدادات مكافأةً على الولاء، حيث تؤدّي كلّ هذه الخيارات في النهاية إلى خفض تكاليف الشراء والتشغيل للمعدّات الجديدة.

هل أرقّي أم أحتفظ بآلاتي القديمة؟ هل أشتري أم أستأجر؟ هل أبيع أم أُبادِل؟ هذه بعض الأسئلة التي يصارعها أصحاب الأعمال في إجراء عمليات شراء كبيرة، فقد يكون الدفع مقابل العناصر باهظة الثّمن عبر خيارات التّمويل الّتي يعرضها البائع، أسهل من الاقتراض من البنوك التقليدية، ولكن عند شراء المعدّات الرئيسية، احتفظ دائمًا بمندوبي المبيعات المحترفين بالقرب منك، فقد تكون رؤيتهم ومعرفتهم الصناعية أكثر فائدةً لك من المعدّات نفسها، فالناس الأكثر مرونةً، وأكثر درايةً، بالتّأكيد هم أكثر قيمةً من الآلات.

الأشخاص

قد يكون البحث عن القوى العاملة، وتعيينها، وتوظيفها، ودعمها، من أكثر التفاعلات التي يتعامل معها صاحب العمل الجديد مكافأةً وإحباطًا، وقد يكون اختيار الأشخاص المناسبين في البداية هو الفرق بين النجاح والفشل في السنوات الأولى من العمل، إذ سيقول العديد من أصحاب الأعمال ذوي الخبرة أنّ الانتظار لتعيين الشخص المناسب أفضل من تعيين الشخص الخطأ الآن.

بالنسبة لرائد الأعمال الجديد، فتوظيف الأشخاص الذين تعرفهم أمر جذّاب لأنّه سهل، إذ عادةً ما يكونون مناسبين للغاية في مراحل بدء التشغيل، حيث يشاركون في إثارة العمل الجديد. والمحسوبية Nepotism هي توظيف أفراد الأسرة والأصدقاء المقرّبين، وعادةً ما تستند إلى علاقتهم برائد الأعمال بدلاً من قدرتهم على أداء الوظيفة، ويُعَدّ الدعم والمشاركة الزوجية مهمّان في المراحل الأولى من العمل، إذ يصبح الأزواج في عديد الحالات موظَّفين في الشركة الجديدة.

يُعَدّ توظيف أفراد العائلة أو الأصدقاء الآخرين لمجرّد كونهم متاحين والتزامهم الشخصي، أمرًا مغريًا، ومع ذلك فتعيينهم لتلك الأسباب قد يأتي بنتائج عكسية، وقد ينتج عنه ضرر طويل الأمد أكثر ممّا ينفع، إذ يثبط ذلك أحيانًا المرشّحين المؤهَّلين عن السعي الجاد للتوظيف في عملك الجديد. هذا وقد يكون فصل أحد أفراد الأسرة أمرًا صعبًا حقًا، خاصةً إذا كان من أفراد الأسرة المباشرين، مثل: الوالد، أو الزوج، أو الابن، أو الأخ. ويُعَدّ الاستسلام لتلك الصّعوبة والتّراخي في فصل القريب غير المؤهّل مدمِّرًا للرّوح المعنويّة بين الموظّفين الآخرين، وخاصّةً الماهرين منهم.

تختلف ظروف كلّ نشاط تجاريّ، إذ يكون امتلاك شريك في بداية عمل أفضل من البدء منفردًا في بعض الأعمال، بينما تكون الحال وحيدًا أفضل من امتلاك الشّخص الخاطئ في أعمال أخرى. لكنّ القدرة على إنجاز بعمل ما، تفوق في نهاية المطاف هويّة الموظف؛ وعلاوة على ذلك، سيستاء الموظفون التقليديون المعينون من السوق، من المحاباة والرفق اللّذين يلقاهما أفراد الأسرة، ومن الصّعب بالتّأكيد تحقيق التوازن بين الموظَّفين من أفراد الأسرة ومن غيرهم، ورائد الأعمال الجديد في غنى عن المشاكل الّتي تسبّبها الخلافات بينهم.

من موارد التّوظيف الشّائعة أيضًا زملاء العمل السّابقون، أو أصدقاء المدرسة السّابقون، أو جيران الحيّ القديم. إذ لدى رائد الأعمال في المراحل المبكّرة الكثير من المشاكل الّتي تحتاج الحلّ، والمهام الّتي عليه تنفيذها، بحيث يبدو أنّ توظيف الأشخاص الذين يعرفهم حلًّا ممتازًا، ولكنّ هذا ينقل العلاقة من زميلين، أو جارين، أو رفيقين، إلى رئيس ومرؤوس. لذا، فمن الطرائق المؤكّدة لإنهاء صداقة جيدة هو تعيين صديق غير مؤهّل للوظيفة، والأسوأ من ذلك وضعه في دور إشرافي.

يجب أن يكون كلّ مالك جديد على استعداد لتجاوز مرحلة بدء التشغيل وإلى مرحلة النمو، حيث تصبح المهارات أكثر أهميةً من العلاقات الشخصية. يتطلّب هذا التقدّم الطبيعي في نضج الأعمال، عمالًا مهرةً لأداء مهامهم بفعالية، حيث تأتي هذه المهارات بسعر قد يكون من الصعب مطابقته في المراحل الأولى من العمل، ولكن على المدى الطويل، سينتج العمال المهرة إيرادات أكثر من تكاليف توظيفهم، كما يتوقّع العملاء من الشركات القائمة أكثر مما يتوقّعون من شركة بدء التشغيل الأوّلية.

يجب على رواد الأعمال تعيين موظَّفين يكملونهم، ليس فقط في المهارات، ولكن أيضًا في الشخصيات. حيث تواجه كلّ شركة في جميع مراحلها المختلفة، من البداية وحتى بدء التشغيل والنمو والتوسع، مواقف وعقبات تتطلّب مجموعةً متنوعةً من المهارات والمواهب لحلّها، كما تتطلب بعض المواقف نهجًا قويًا أو مباشرًا أو حتى تصادميًا، والذي يمكن قد موقفًا طبيعيًّا ومريحًا لصاحب الشّخصيّة المنفتحة، فيما تحتاج مواقف أخرى إلى التعامل بهدوء وبطريقة غير مباشرة. وقتها يتخّذ الموظف الانطوائي الذي يكون بطيء الاستجابة نهجًا سلميًّا يكون أكثر ملاءمة .

يمكن للشركات الصغيرة تقوية موظّفيها من خلال توظيف أشخاص لديهم مجموعة متنوِّعة من الخلفيات والخبرات، حيث تفيد التجارب الجماعية لجميع الموظفين، الشركة بطرق قد لا يسهل التعرف عليها دائمًا، فالموظفون الذين يتلاءمون معًا يجعلون مكان العمل لطيفًا، وتجربة العملاء ممتعةً.

القوى البيعية

ناقشنا في مقال (بناء فريق الأحلام الريادي) مندوب المبيعات في سياق قيمة وأهمية توليد الإيرادات والتدفقات النقدية للشركة، لكنّنا سنركّز في هذا المبحث على فريق المبيعات من حيث كونه جزءًا من الموظَّفين العاملين في عمل ربحي، ومع ذلك يمكن للمنظمات غير الربحية التي تعتمد على إيرادات المبيعات تطبيق المفاهيم التّالي توضيحها أيضًا.

قد تكون القرارات التي تنطوي على فريق مبيعات من أهم القرارات التي تُتَّخذ، وربما تكون أكثر أهميةً من الهيكل التنظيمي والوضع الضريبي، حيث ينفّذ فريق المبيعات الأنشطة التي تدر الإيرادات، مما يجعل العمل ينبض بالحياة ويحافظ عليه، فبدون نشاط المبيعات، يصبح العمل منظمةً هامدةً محكوم عليها بالإغلاق.

يجب أن تتلاءم القوى البيعيّة مع الإستراتيجية التشغيلية والتسويقية الشاملة للشركة، حيث يجب تطوير المنتج بالكامل، وتحديد فوائده للعملاء بوضوح، واختيار السوق المستهدف الأساسي قبل الحاجة إلى فريق مبيعات. كما يجب تحديد أهداف الحد الأدنى من مستويات الإنتاج علاوةً على ذلك، ويجب حساب أعلى مستوى من الإيرادات الكافية لتغطية النفقات. من الضروري كذلك التأكّد من وضوح كلّ هذه الأهداف، وقابليّة تحقيقها من قِبل فريق المبيعات والشّركة، قبل تجميع فريق المبيعات.

الأمر الأول الذي يجب النظر فيه هو تحديد مرحلة الشركة، إذ يمتلك بعض رواد الأعمال شركةً ناشئةً حقيقيةً تبدأ من الصفر، في حين يدخل البعض الآخر في ريادة الأعمال من خلال شراء أعمال قائمة مع عملاء راسخين وتدفق نقدي. وسيعتمد التنظيم، والهيكل، ودور فريق المبيعات؛ على ما إذا كان العمل في مرحلة بدء التشغيل، أو النمو، أو النضج، أو التراجع، مع تقدّم الأعمال خلال كلّ مرحلة، إذ تتغيّر متطلّبات وقدرات الشركة، كما تتغير البيئة الخارجية للسوق.

يجب توخّي الحذر في تحديد ما إذا كانت المبيعات ستُنفّذ داخل الشّركة، أو يُستعان فيها بمصادر خارجيّة. إذ ينبغي أن يشمل البحث على الآثار الضريبية، والفوائد المترِّتبة على استخدام الموظَّفين مقابل استخدام المتعاقِدين المستقلين. يُعَدّ الأداء الذّاتي Self-performing، قيام الموظّفين بغالبية العمل في الشّركة؛ أمّا التّعهيد Outsourcing أو الاستعانة بمصادر خارجية، فهو توظيف شركة خارجية، أو طرف ثالث لأداء مهمة، أو وظيفة، أو عملية محدَّدة، أو لتصنيع البضائع. ولكلّ من الخيارين فوائد وقيود، لذا يجب أن يأخذ صاحب المشروع العديد من العوامل في الحسبان، بدءًا من القوة المالية، إلى معرفة السوق، إلى قدرات دعم المبيعات. فتعيين مندوبي المبيعات موظفينًا يعني أنّ على صاحب المشروع صرف وقت ومال لتعيين، وتوظيف، وتدريب، وتوريد المعدّات والمواد المكتبية، ودفع رواتب فريق المبيعات بانتظام؛ أمّا التّعهيد فقد يكون خيارًا أفضل، إذ لا يستثمر رائد الأعمال فيه مسبقًا إلاّ قدرًا قليلًا من المال والوقت، ولا يُدفع للمتعاقد إلاّ حين تنفيذه عمليّة بيع. لهذا يكون التّعهيد هو الاختيار المفضَّل للشركات التي تعاني من ضغوط مالية بسبب التدفق النقدي، في حين أنّ المبيعات ذاتية الأداء هي المفضَّلة للشركات القائمة والمتنامية.

تُعَدّ الأجرة موضوعًا حسّاسًا دائمًا. ذلك أنّه يعطي لرائد الأعمال سلطة تحديد قيمة وراتب شخص آخر، وهي قوّة كبيرة، وسيطرة على فريق المبيعات، كما أنها مسؤولية مهمة للغاية، حيث يجب التعامل معها بحذر شديد، إذ لا تؤثِّر المشكلات المتعلقة بالأجور على معيشة الموظفين أو المقاولين فحسب، بل تؤثِّر أيضًا على الصحة المالية للشركة وسمعتها، ولهذا يجب دفع أجور فريق المبيعات في شكل رواتب منتظمة، مع دفع عمولة أحيانًا أو مكافأة إذا استوفى مندوب المبيعات حصصه المطلوبة منه.

تزيد الأجور المنتظمة برفقة ضرائب الرواتب ومزايا الموظّفين، من النّفقات الثّابتة للشّركة، لهذا فقد لا يكون هذا اختيارًا مستدامًا لبدء الأعمال التجارية، على أنّه اختيار يمكن لرائد الأعمال الاستفادة منه -مع استغلال سيطرته على جداول الموظّفين وروتينهم- لكسب ولاء الموظّفين، والحصول على التّعقيبات الجيّدة في السّوق من خلالهم.

أجور المتعاقدين أو العمال المستقلّين على عكس الموظّفين، هو عبارة عن عمولات. وهذا الاختيار يضيف مصروفًا متغيّرًا إلى النّشاط التّجاريّ، وهو مصروف لا يلزم تسجيله إلًّا بعد إجراء البيع. غالبًا ما لا يكون صاحب العمل مسؤولًا عن ضرائب الرّواتب، لكنّ روّاد العمل المبتدئين عليهم الحذر، إذ تقع مهمّة تحديد ما إذا كان الشّخص موظّفًا أو متعاقدًا حرًّا عليهم، فالتّراخي أو الخطأ في تنفيذها يُثقِل كاهل الشّركة بمصاريف إضافيّة معتبرة في صورة غرامات وعقوبات.

من العوامل المهمة التي يجب التفكير فيها عند تحديد نوع القوى البيعية التي يجب امتلاكك لها، هي معرفة خصائص السّوق، ووضعك فيه (الشّكل 11.12). فإذا كنت تبيع لشركات أخرى، فسيتعيّن عليك فهم عمليات اتخاذ القرار، ومعايير الشراء. من ناحية أخرى، للبيع المباشر للمستهلك إستراتيجية تسويق مختلفة تمامًا، فبالنسبة إلى رائد الأعمال غير التسويقي، لا بدّ من تعلّم تلك المهارة كي تكون المحادثات مع فريق البيع مثمِرة.

الشكل 11.12: أ) في معاملة البيع من شركة إلى شركة، يبيع مزارع مثًلا محصوله إلى محلّ خضروات، ليُحضّره هذا الأخير للبيع إلى العميل. ب) في معاملة البيع من شركة إلى العميل، يبيع المنتِج مباشرةً إلى العملاء.

حفظ الحقوق: أ) تعديل على spectaculat salad bar at wholefoods HQ in Austin من Kevin Krejci/Flickr تحت ترخيص CC BY 2.0 ب) تعديل على Honey من Phil Whitehouse/Flickr تحت ترخيص CC BY 2.0

أمر آخر ينبغي أخذه بالحسبان حين التّفكير في السوق، هو منطقة المبيعات، فإذا حدّدت المناطق بواسطة محدّدات جغرافية، فهل لكلّ إقليم نفس العدد المحتمل من العملاء؟ ما هو التباين في الحجم والمسافة من المكتب الرئيسي؟ تظهر مجموعة مماثلة من الأسئلة إذا أُنشئ فريق المبيعات على طول خطوط الإنتاج، فكيف تتشابه خطوط الإنتاج؟ وكيف تختلف؟ عند رسم تنظيم ومسؤوليات القوى البيعيّة، سيكون من المفيد للغاية تلقّي مُدخَلات من مندوبي المبيعات المحتمَلين، أو رواد الأعمال الأكثر خبرةً ممن يعرفون بالفعل كيفية إعداد هذا القسم من عملك.

يجب احترام الاتفاقات المبرمة مع فريق المبيعات، لذا لا تعقد أيّ اتفاق إلّا بعد التفكير بعناية فائقة في السيناريوهات، والحصول على نظرة ثاقبة من المستشارين الموثوق بهم، فسمعة العمل مع الموظَّفين والعملاء على حدٍّ سواء معرّضة للخطر عندما لا يحترم أصحاب العمل الاتفاقات مع الموظَّفين، وخاصةً الموظَّفين الذين يمثّلون واجهة الشركة وصوتها في السوق. فإذا قرر مندوب مبيعات، أو موظَّف، أو متعاقِد مستقلّ الانفصال عن نشاطك التجاري، فيمكنهم نقل أعمال عملائهم معهم إلى مكان عملهم التالي، وعلى الرغم من قدرتك على اتخاذ إجراء قانوني ضدّ موظَّف سابق يفعل ذلك، إلا أنّ المحصِّلة النهائية هي فقدانك لمندوب مبيعات وعملاءه، ويُعَدّ تجنّب هذا الموقف هو الأفضل للجميع، وخاصةً لمك أنت رائد الأعمال.

يُعَدّ الحصول على مندوبي المبيعات المناسبين أمرًا بالغ الأهمية، فجعلهم يعملون في بيئة إيجابية وفعالة ضرورة لا يمكن تجاهلها.

القيادة

تشمل المصطلحات المرتبطة بمنصب قيادي عادةً المالك، والمدير، والمشرف، وقائد الفريق، والزعيم، والرئيس. حيث تُستخدَم العديد من هذه المصطلحات بالتبادل. وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الطفيفة في المعنى، فعادةً ما يعمل شخص واحد قائدًا ومديرًا في شركة صغيرة. وقد يكون بعض رواد الأعمال قادرين على التبديل بين هذين الدورين بانسيابيّة لا تشوبها شائبة، بحيث لا يدرك أتباعهم، وحتى هم أنفسهم شغلهم للدّورين في وقت واحد. ومع ذلك فبعض السمات والسلوكيات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقيادة أكثر من ارتباطها بالإدارة.

تتمثّل إحدى الاختلافات الرئيسية بين القادة والمديرين، في دورهم في بدء العمل، فعادةً ما تهتمّ الإدارة بإدارة وتوجيه أنشطة المنظمة، وهذا يشمل التخطيط، والجدوَلة، والتنسيق، والمراقبة، والإشراف على المهام التي يؤدّيها الموظفون. حيث يضمن المدير أنّ الموظفين الذين عُيّنوا لأداء واجباتهم يؤدّون تلك الواجبات كما هو متوقَّع وعلى مستوى مقبول من الجودة والكمية.

من ناحية أخرى، يغرس القائد في الآخرين الرغبة في الأداء، وهذا عدا عن كونه دافعًا داخليًّا، فهو نهج نفسي يطوّره القائد من خلال الكلمات والأفعال، ومثل نتائج نهج المدير، ستكون نتائج تحفيز القائد واضحةً في أداء الموظفين.

سيعمل الموظفون لدى مديرهم لأنهم ملزَمون بذلك على أساس الأدوار المخصَّصة ومناصب السلطة، ولكنّهم يعملون مع قائدهم لأنّهم يريدون تحقيق نفس الأهداف، وإنجاز المهام لإرضاء أنفسهم وقائدهم.

يمكنك العثور على العديد من القوائم التي تصف خصائص أو صفات القائد الجيد، إذ سنذكر ههنا القليل منها فقط. ويمكن تقسيم أوصاف القيادة الجيدة إلى الفئات التالية:

الشخصية: وهي تصف خصائص الفرد كما يتّضح من أفعاله وأقواله، فالقادة الفاعلون هم عادةً أشخاص ذوو مِراس سهل، مع نظرة إيجابيّة للحياة، حيث يتفاعلون مع الآخرين ويُظهِرون ثقةً ذاتيةً في مهاراتهم. وحينما يبدأ روّاد الأعمال في البحث عن الموظّفين، فالعمل على مقربة معًا يضطرّهم إلى الاتّفاق، والاستمتاع بحضرة بعضهم.

الكفاءات: قد يكون العمل مع شخص لا يعرف ما يفعله أمرًا صعبًا للغاية، إن لم يكن مستحيلًا. لذلك يعرف القادة الجيدون ما هي كفاءاتهم، وهم جيدون جدًا في ما يفعلونه. حيث يُدرك الموظفون وكذلك المنافسون والمنظمون مهارات الأداء الوظيفي العالية، وفي بعض الأحيان، يصبح القائد الماهر جدًا خبيرًا في الصناعة، فيتمتّع بسمعة طيبة في جميع أنحاء الصناعة، ويقدِّم التدريب في المؤتمرات، والمحاضرات والمعارض التجارية، كما أنّ القادة الجيدين يدركون تمامًا المهارات التي يفتقرون إليها، ويعترفون بسهولةٍ بعدم كفاءتهم في تلك المجالات، لذا يُعَدّ تعيين موظَّف ماهر يُعوّض أوجه القصور لديك أولويةً قصوى.

الأسلوب: أنماط القيادة الثلاثة المشتركة هي: الاستبدادية (الأوتوقراطية)، والديمقراطية، وعدم التدخل. حيث تُعَدّ كلّ من هذه الأساليب للقيادة فعّالةً. ويخضع اختيار النّهج الأفضل إلى معايير الصناعة، والهيكل، والبيئة، ومتطلّبات الوظيفة. فيتّخذ القادة الأوتوقراطيون (المستبدون) القرارات بأنفسهم، وينظرون إلى الموظفين على أنهم مرؤوسون يجب عليهم اتباع التعليمات دون تردّد أو استفسار، ويُعَدّ القادة الأوتوقراطيون ضروريين في المواقف التي تتطلّب اتخاذ قرارات بسرعة، حيث يكون القائد مدرّبًا بدرجة عالية ومهارة في متطلّبات العمل، ولكن قد تكون النتائج خطيرةً للغاية. أمّا القادة الدّيمقراطيّون فيُشرِكون موظَّفيهم، ويسعون للحصول على مُدخَلات قبل اتخاذ القرارات. يعمل هذا النهج جيدًا إذا كانت المنظمة أو الصناعة معقّدة، وتتأثر فيها العديد من الإدارات أو الموظفين المختلفين بالقرارات، مع حاجة إلى مجموعة واسعة من المعلومات لاتخاذ قرارات جيدة. وأخيرًا، تسمح قيادة سياسة عدم التدخل للموظفين بالعمل المستقل، دون إشراف غالبًا، أو مساهمة مباشِرة من القائد، حيث يعمل هذا النهج أفضل عندما يكون الموظفون على درجة عالية من التعليم والمهارة، ولا تكون المهام بين الموظَّفين مترابطةَ جدًّا، كما يكون لدى الموظّفين دوافع ذاتيّة.

بدأت دراسة القيادة منذ قرون، ولا يزال النّقاش مستمرًّا، حيث يمكنك إيجاد أمثلة على القيادة الجيدة والسيئة في العديد من المنظَّمات بما في ذلك الجيش، والرياضة، والحكومة، والشركات. فسمات القيادة مثل سمات أيّ تقنية، إذ أنّ جميعها جيّدة وسيّئة في الوقت ذاته، والاختلاف هو الوضع وكيفيّة الاستخدام، فبالنسبة لرائد الأعمال، تُعَدّ معرفة الصناعة، والسوق، والبيئة التنافسية، وقاعدة العملاء، ومجموعة الموظفين، بدايةً لتحديد سمات القيادة وأسلوبها الذي سيكون فعالًا. فإذا قرّرت عدم توافقك مع البيئة أو الموقف، فيمكنك إشراك شخص يمتلك السمات والمهارات التي تتناسب أكثر مع احتياجاتك الحالية.

بهذا تكون قد تعرّفت على أهم المجالات في إدارة العمليات والمتمثلة في المال والطرائق والآلات والأشخاص والقيادة.

ترجمة وبتصرف للفصل Building Networks and Foundations من كتاب Entrepreneurship.

اقرأ أيضًا

المقال السابق: تصميم الخطة التشغيلية للشركة الناشئة

قياس أداء الخطط الاستراتيجية وتقييمها

عملية التخطيط لتنفيذ الاستراتيجيات

كيفية التجهيز لمشروعك التجاري الريادي وتأسيسه واطلاقه

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *