القيادة التبادلية والتحويلية والكاريزمية

إنَّ العديد من المؤسسات التي تحتاج إلى إدارة حالة الفوضى التي تعاني منها، أو إحداث تغيير في ثقافتها، أو تمكين أفرادها وتطوير قدراتهم، أو إعادة هيكلتها، العديد من هذه المؤسسات قد سعت ولا زالت تسعى إلى معرفة كيفية تعيين القائد المناسب لتصحيح كلِّ تلك الجوانب. لقد أصبح الكثيرون يرون بأنَّ القيادة التبادلية والتحويلية والكاريزمية هي الأساليب القيادية الأنسب لإخراج المؤسسات من حالة الفوضى ودفعها نحو الأمام.

القيادة التبادلية والقيادة التحويلية

يُوصف القائد الذي يُؤيِّد الفكرة القائلة “إذا كانت الأمور تسير على ما يُرام، فلا تحاول تغييرها” بأنَّه قائدٌ تبادليّ (transactional leader). يُركِّز هذا القائد كثيرًا على المهام وعلى تقديم التوجيهات والحوافز التي من شأنها أن تحثّ الأتباع على تأدية العمل المطلوب.

تحدث التفاعلات بين القائد والتابع في هذا النوع من القيادة في سياق علاقة اعتماد متبادل بينهما، الأمر الذي يؤدِّي إلى زيادة وتمكين الترابط بين الأفراد؛ إذ يدفع القائد التبادلي أفراد المجموعة نحو إنجاز المهمة من خلال تحديد هيكل العمل وتقديم الحوافز مقابل تأدية أفراد المجموعة السلوكيات والمهام المنوطة بهم. في المقابل، يُغيِّر القائد التحويلي (transformational leader) الأمور ويُعدِّلها على نحو كبير! بخلاف القائد التبادلي، فإنَّ القائد التحويلي لا يعمل على إحداث التغييرات من خلال تقديم الحوافز؛ بل يعمل على إلهام الآخرين لتنفيذ أعمالهم من خلال تعزيز قيمهم الشخصية وشغفهم وإيمانهم والتزامهم بعملهم وبرؤية المؤسسة ورسالتها.

يدفع القائد التحويلي الأفراد إلى اتِّباعه من خلال جاذبيته وقدرته الكبيرة على التأثير فيهم، واهتمامه بأتباعه وتركيزه على تطويرهم، واستثارة تفكيرهم عن طريق التشكيك في الافتراضات وتحدي الوضع الراهن، بالإضافة إلى تحفيزهم وإلهامهم عن طريق صياغة رؤية جذابة وتوضيحها لهم.

يُطلق على القائد التحويلي أيضًا اسم القائد ذو الرؤية، فهو يؤثِّر على الآخرين من خلال انجذابهم عاطفيًّا أو فكريًّا إلى أحلامه وتأمُّلاته ورؤيته المستقبلية. تربط الرؤية الوضع المستقبلي بالوضع الحالي، وتُشجِّع على الالتزام، وتُعطي معنىً وقيمة للإجراءات المتبعة، وتُشكِّل معيارًا دقيقًا لتقييم الأداء، وتدلُّ الملاحظات على وجود ارتباط إيجابي بين الرؤية، وتوجُّهات الأتباع وسلوكياتهم ومستويات أدائهم. لقد أشار وارن بينيس (Warren Bennis) إلى أنَّ مدى فعالية الرؤية يعتمد على قدرة القائد على إيصالها للآخرين بطريقة تُشعرهم بأنَّ تلك الرؤية هي رؤيتهم الخاصة.

يُعدُّ القادة التحويليون متفاعلين جيِّدين، ويتميَّزون بالقبول الاجتماعي والانفتاح على الخبرات، وهم يبثّون النشاط في نفوس الآخرين ويزيدون وعيهم بأهمية تحقيق النتيجة المنشودة، ويحثُّونهم على أن يكون اهتمامهم بمصلحة المجموعة أكبر من اهتمامهم بمصالحهم الشخصية، بالإضافة إلى أنهم يُلهمونهم ويُحفِّزونهم على الإدارة الذاتية (أي على أن يقودوا أنفسهم)، ويُشجِّعون الأفراد أيضًا على التركيز على الاحتياجات الانسانية الأسمى (تقدير الذات وتحقيق الذات).

ليس بإمكان المديرين الاعتماد فقط على الهيكل التنظيمي للمؤسسة في تسيير أنشطتها وعملياتها عندما تكون هذه المؤسسات في صدد مواجهة بيئة عمل غير مستقرة ومنافسة شديدة ومنتجات قصيرة الأجل وضرورة مواكبة سرعة العصر؛ ولكن بإمكان القادة التحويليين في هذه المواقف أن يعملوا على تحفيز الأتباع على التفاعل والإبداع، وعلى الإيمان بقيم وأهداف المؤسسة والتقدُّم للأمام بهمّة عالية!

ترتبط القيادة التحويلية ارتباطًا إيجابيًا برضا الأتباع وأدائهم وسلوكيات المواطنة التنظيمية لديهم، وتَحدُث هذه التأثيرات الإيجابية لأنَّ سلوكيات القائد التحويلي تغرِس الشعور بالثقة والإحساس بالعدالة في نفوس الأتباع، الأمر الذي يؤثِّر إيجابيًا على رضا الأتباع ومستويات أدائهم. لقد أشار الباحثون راجانانديني بيلاي (R.Pelai) وتشيستر شريسهايم (C.Schriesheim) وإريك ويليامز (E. Williams) إلى أنَّ تصوُّرات الأتباع بخصوص العدالة [والثقة] تتحسَّن عندما يدركون أنَّ بإمكانهم التأثير على نتائج القرارات التي تهمهم وأنَّ علاقتهم بالقائد قائمة على المشاركة والعدل.

القيادة الكاريزمية

تنبع فعاليّة العديد من القادة من الكاريزما التي يتمتَّعون بها، وهي جاذبية شخصية أخَّاذة تبعث الموظفين على الولاء والحماس، ويستطيع القائد الكاريزمي التأثير على الآخرين تأثيرًا كبيرًا في الأحداث الكُبرى عبر شخصيّته الجذّابة. إنَّ من الصعب التمييز بين القائد الكاريزمي والقائد التحويلي؛ فالقائد التحويلي قد يحقِّق النتائج المنشودة من خلال جاذبيته الشخصية، وفي مثل هذه الحالة يُعدُّ هذان النوعان من القادة وجهين لعملة واحدة، ولكن يجدر الانتباه إلى أنَّه ليس جميع القادة التحويليين لديهم جاذبية شخصية.

أثبت عالم الاجتماع ماكس فيبر أنَّ هناك اهتمامًا متزايدًا بالقيادة الكاريزمية خلال العقدين الماضيين، ووصف القادة الكاريزميين بأنَّهم الأفراد الذين يمتلكون سلطة شرعية تنشأ عن مكانتهم الاستثنائيّة أو بطولتهم أو شخصيّتهم التي يُحتذى بها. يستطيع القادة الكاريزميون “بمفردهم” التأثير على مسار العمل وإحداث التغييرات حتى في المؤسسات الكبيرة جدًا؛ إذ إنَّ شخصيتهم تكون مؤثِّرة جدًّا ولها وقعٌ كبير في جميع المستويات الإداريّة بالمؤسسة، كما أنَّ علاقتهم مع أتباعهم تكون قوية للغاية.

يظهر في الصورة ترافيس كالانيك الرئيس التنفيذي لشركة أوبر الذي نجح في زيادة قيمة الشركة إلى أكثر من 60 مليار دولار، وقد اضطر إلى الاستقالة بعد أخذه لإجازة واستقالة العديد من المسؤولين التنفيذيين الرئيسيين بسبب الادعاءات التي تقول بأنَّ بيئة عمل شركة أوبر عدائية وغير أخلاقية.

تنطوي القيادة الكاريزمية على تفاعل معقَّد بين سمات القائد واحتياجات الأتباع وقيمهم ومعتقداتهم وتصوُّراتهم وثقافتهم، وتتميز العلاقات بين القائد الكاريزمي وأتباعه بالقَبول المطلق من قِبل الأتباع للقائد، بالإضافة إلى الثقة في معتقدات القائد والتعلُّق به وطاعته بإرادتهم والاحتذاء به والانصهار في بوتقة طموحاته ورؤيته والإيمان برسالته وتوجيه مهاراتهم وجهودهم نحو تحقيق هذه الرسالة.

يمكن أن يُساهم القائد الكاريزمي في تحسين أحوال الأفراد مثلما حدث عندما استطاع (لي إياكوكا) الحفاظ على آلاف الوظائف من خلال النهوض بشركة (كرايسلر) العملاقة وإنقاذها من الفشل، ويمكن أن يكون أثر القائد الكاريزمي كارثيًّا مثلما حدث في مدينة (واكو) في ولاية تكساس الأمريكية عندما أدَّت قيادة (ديفيد كوريش) للعشرات من الرجال والنساء والأطفال إلى موتهم بالنيران.

غالبًا ما تكون مستويات أداء أتباع القادة الكاريزميين أعلى، ورضاهم عن أعمالهم أكبر، والنزاع على الأدوار فيما بينهم أقل، مقارنةً بأتباع القادة الآخرين. لكن ما هي خصائص هؤلاء الأشخاص الذين يمكنهم ممارسة مثل هذا التأثير القوي على أتباعهم؟ إنَّ القادة الكاريزميين يمتلكون رغبةً كبيرةً في السلطة وغالبًا ما يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على استخدام القوة المرجعية للتأثير على الآخرين، كما أنَّهم يتمتَّعون بثقة كبيرة بالنفس ويوقنون بصحة معتقداتهم ومُثلهم العليا. إنَّ امتلاك القائد الكاريزمي لهذه الثقة بالنفس وقوة اليقين يدفع الناس إلى الثقة في آرائه والالتزام التام برسالته وتوجيهاته، وتكون نتيجة ذلك كلّه هي تشكُّل علاقة قوية بين القائد والأتباع، ترتكز في الأساس على شخصية القائد.

على الرغم من وجود العديد من القادة الكاريزميين الفعَّالين، إلا أنَّ أكثرهم نجاحًا يجمعون بين ميّزاتهم الكاريزمية التي يتمتَّعون بها والسلوكيات القيادية الفعَّالة التي يتبعها غيرهم من القادة الفعَّالين. أمَّا الذين يقتصرون على قدراتهم الكاريزمية ولا يعملون على اكتساب مهارات قيادية أخرى، فإنَّهم يجذبون الأتباع ولكنَّهم لا يُحقِّقون الأهداف التنظيمية والمؤسساتيّة بأكبر قدر ممكن من الفعالية، ويُمكن أن يكون هؤلاء القادة عمالقة في عالم الأعمال (على الأقل لفترة من الزمن)، ويمكن أن يكون لديهم الكثير من الأتباع، ولكنَّهم قد لا يُقدِّمون توجيهات بنَّاءة لأولئك الأتباع.

.anntional__paragraph {
border: 3px solid #f5f5f5;
margin: 20px 0 14px;
position: relative;
display: block;
padding: 25px 30px;
}

الأخلاقيات في الحياة العملية

شركة أوبر بحاجة إلى قائد أخلاقي

لا يزال الجدل حول شركة (أوبر) ملازمًا لها منذ بداية تأسيسها في عام 2009 عندما كانت تُقدِّم خدمة السيارات الفاخرة لمدينة (سان فرانسيسكو) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتدور العديد من الشكاوى حول الإجراءات التي اتخذها مؤسِّس الشركة ورئيسها التنفيذي السابق (ترافيس كالانيك)، ولكن في الواقع امتدت آثار ذلك إلى مختلف جوانب الشركة وأعمالها.

كانت الخدمة التي قدّمتها الشركة في عام 2009 تُدعى (UberBlack)، وهي عبارة عن خدمة قيادة رفيعة المستوى، يبلغ ثمنها أكثر من ثمن ركوب سيارة أجرة، ولكنَّه أقل من ثمن استئجار سائق خاص لليلة. أمَّا خدمة (UberX)، وهي خدمة سيارات الأجرة التي تتبادر إلى ذهن معظم الناس في الزمن الحالي عندما يقولون كلمة “أوبر”، فقد أطلقتها الشركة في عام 2012. تعاقد مقدِّمو خدمة (UberX) مع عدد من السائقين الخاصين الذين أتاحوا لطالبي الخدمة ركوب سياراتهم الخاصة من أجل توصيلهم إلى الوجهة التي يُريدونها.

يستطيع الزبون استخدام تطبيق “أوبر” للهواتف الذكية لطلب الخدمة، وسيذهب إليه أقرب سائق خاص. أُطلقت هذه الخدمة في البداية في مدينة (سان فرانسيسكو) الأمريكيّة، ولكنَّها سرعان ما انتشرت في سائر الولايات الأمريكيّة، وأصبحت شركة (أوبر) تُقدِّم خدمتها في 633 مدينة بحلول عام 2017. وقد أشاد الكثير من الناس بهذه الخدمة ووصفوها بأنَّها مبتكرة وتُلبِّي احتياجات السوق الذي يُعاني من ارتفاع ثمن خدمات سيارات الأجرة، ومن عدم موثوقيتها في بعض الأحيان. لكن بطبيعة الحال لم تسلم شركة (أوبر) من الانتقادات، سواء من داخل الشركة أم خارجها.

عندما ازداد انتشار خدمة (UberX)، احتج بعض السائقين المتعاقدين مع خدمة (UberBlack) في عام 2013 في مقر الشركة واشتكوا من قلة الامتيازات والأجور التي تُقدِّمها الشركة لهم، وادّعوا أنَّ خدمة (UberX) التي أُطلقت حديثًا تنافسهم وتقلِّل من مبيعاتهم وتقوِّض أمنهم الوظيفي. لقد زجر (كالانيك) هذه الاحتجاجات، ووصف الشكاوى وتراجع العمل في (UberBlack) بأنه ناتجة عن قلة حيلتهم؛ إذ إنَّ معظم المحتجين كانوا قد فُصِلوا من عملهم في وقت سابق بسبب سوء وضعف الخدمة التي يُقدِّمونها. نشأ أيضًا جدل حول تعامل شركة (أوبر) مع سائقين يعملون بنظام العقود بدلًا من توظيف سائقين بدوام كامل، وقد اشتكى السائقون المُتعاقَدِ معهم من قلة الامتيازات والأجور.

بالإضافة إلى ذلك، اشتكت الشركات المنافِسة لأوبر، وخاصة التي تُقدِّم خدمات سيارات الأجرة من معاناتها من التنافس غير العادل مع شركة أوبر؛ إذ لم يكن على شركة (أوبر) الالتزام بنفس عملية الفحص ونفس التكاليف التي كانت تُلزَم بها الشركات ذات سيارات الأجرة الصفراء التقليدية، وقد أقرَّت بعض البلديات بذلك وأشارت إلى أنَّ عدم كفاءة عملية فحص السائقين في شركة (أوبر) يُعرِّض الركاب للخطر.

سُرعان ما ذاع صيت شركة (أوبر) بأنَّها شركة تُمارس التنمُّر وأنَّ رئيسها التنفيذي (كالانيك) قائد غير أخلاقي، واتُهمت الشركة أيضًا بالتستُّر على حالات الاعتداء الجنسي. بالإضافة إلى ذلك، تعرَّضت شركة (أوبر) لانتقادات بسبب ممارسات وأسلوب التوظيف التي تنتهجه؛ إذ اتُهمت برشوة السائقين الذين يعملون لدى الشركات المنافسة من أجل تشجيعهم على الانتقال للعمل لصالح شركة (أوبر)، وتبيَّن أنَّ الشركة تُرسل طلبات ركوب كاذبة للسائقين الذين يعملون في الشركات المنافسة ثمَّ تُلغي الطلب، وكان يترتَّب على ذلك إضاعة وقت أولئك السائقين وزيادة صعوبة حصول الزبائن على خدمة الركوب من الشركات المنافِسة.

لقد تحدَّثت سوزان فاولر -التي عملت سابقًا مهندسة موثوقية الموقع في شركة أوبر- علنًا عن حالات التحرش الجنسي التي تحصل داخل الشركة، ووصف موظفون سابقون ثقافة شركة (أوبر) بأنَّها ثقافة الغابة، حيث البقاء للأقوى، وذكر أحد الموظفين أن قيادة الشركة تُشجِّع على تطوير خدمات وأساليب غير أخلاقيّة وغير قانونيّة بهدف التغلُّب على الشركات المنافِسة في السوق. تُشبِّه (فاولر) تجربة العمل في شركة أوبر بـِ “صراع العروش”، ويعدُّ بعض الموظفين السابقين أنَّ عملهم فيها بمثابة نقطة سوداء في سيرتهم الذاتية.

يُمكن القول أنَّ السُمعة التي حصلت عليها شركة (أوبر) كانت سيئة أكثر من كونها جيِّدة بسبب فظاظة قيادتها إلى جانب كوارث العلاقات العامة التي سبَّبتها. تصدَّر (كالانيك) عناوين الصُحف في شهر يونيو من العام 2017 ، وقرَّر التنحي عن منصب الرئيس التنفيذي للشركة على إثر الفضائح المنسوبة إليه.

المتطلبات القيادية في القرن الحادي والعشرين

تلفت العناوين التي يتكرَّر ذكرها في مجلات الأعمال الشهيرة، مثل مجلة (فورتشن) ومجلة (بيزنس ويك) انتباهنا إلى مجموعة من التوجُّهات المهمة الموجودة في عالم الأعمال، سيّما أن المؤسسات في وقتنا الحاضر أصبحت تخضع لعملية إعادة هيكلة بصورةٍ مُتزايدة، ويزداد ميل الشركات إلى استخدام الهيكل الشبكي والهيكل الافتراضي والهيكل القطاعي في أنظمة عملها. يتناقش الناس في العصر الحالي بشأن المؤسسات متعددة الجنسيات والشركات التي بلا حدود والمؤسسات ما بعد التسلسل الهرمي (post-hierarchical organization)، ومن المحتمل جدًّا أن تُصبح المؤسسات التي سنعمل فيها ونتنافس معها في المستقبل القريب مُختلفة تمامًا عن المؤسسات التي نعرفها حاليًا.

لن تكون العملية الانتقالية سهلة؛ فغالبًا ما يولّد الغموض وجهل الإنسان بالنتائج المستقبلية مقاومةً لما هو جديد، ويحكمنا أيضًا التفكير الخطي والعقلاني الذي يقودنا إلى الاعتقاد بأنَّنا يُمكننا التقدُّم ومسايرة التطوُّرات من خلال إجراء بعض التغييرات التدريجية على أفكارنا وأفعالنا الحالية. إنَّ النماذج الحالية هي التي تُشكِّل تصوُّراتنا وتوجِّه تفكيرنا، كما أنَّ التخلِّي عن هذه النماذج التي خدمتنا جيِّدًا في الماضي لا يحدث بسهولة.

من الملاحَظ أنَّ العقد الماضي تميَّز بالتغيُّرات السريعة والمنافسة الشديدة وثورة التقنيات الحديثة، إلى جانب الفوضى والاضطراب وارتفاع مستوى الغموض فيما يتعلَّق بظروف بيئة العمل. عند إلقاء نظرة سريعة لما يحدث في عالم الأعمال اليوم، نجد أنَّ التوجُّهات الحالية مستقرّة ولن تزول في الوقت القريب، ويُشير البروفيسور (جاي كونغر) من جامعة (مكغيل) الكندية إلى «أنَّ القيادة تُصبح مهمة للغاية عندما يكون هناك حاجة إلى إحداث تغيُّرات كبيرة؛ إذ يقدِّم لنا القادة الثقة والتوجيهات التي نحتاجها عندما نحاول المضي قدمًا خلال فوضى التغيير الجذري لأنظمة المؤسسة وهيكلها. إنَّ حجم التعيّر الهائل والمُتسارع الذي يحدث في عصرنا الحالي لن يتطلَّب المزيد من القيادة فحسب؛ بل أساليبًا قياديّة جديدة».

يُشير (كونغر) أيضًا إلى أنَّ هناك عاملين رئيسيين يحدِّدان مستويات الموهبة والنبوغ الذي ينبغي توفُّرها في الجيل القادم من القادة.العامل الأول هو ظروف بيئة العمل الخارجية، إذ إنَّ المنافسة العالمية تولّد الحاجة إلى وجود قادة من نوع خاص. العامل الثاني هو التنوُّع المتزايد في بيئات العمل الداخلية، إذ سيُؤدِّي التنوُّع إلى حدوث تغييرات كبيرة في العلاقة بين كلّ من أفراد المؤسسة وطبيعة العمل والمؤسسة نفسها، وسُيصاحب هذه التغييرات العديد من التحديات والصعوبات والإيجابيات أيضًا.

كيف سيكون قادة الغد؟ يُشير البروفيسور (كونغر) إلى أنَّه يتوجَّب على القادة الفعَّالين في القرن الحادي والعشرين أن يكونوا مسؤولين عن أمور كثيرة، إذ يجب عليهم أن يكونوا:

منتهزين للفرص المتاحة وذوي تفكير استراتيجي؛ فالقادة ذوو الرؤية الجيّدة والبعيدة يستطيعون اقتناص الفرص الاستراتيجية قبل أن يقتنصها المنافسون.

مدركين لما يحدث على مستوى العالم؛ إذ إنَّ 80%من المؤسسات الحالية تواجه منافسة خارجيّة كبيرة، لذلك من المهم جدًّا معرفة الأمور المرتبطة بالأسواق الخارجية والاقتصاد العالمي والسياسية.

قادرين على إدارة المؤسسات ذات اللامركزية العالية؛ إذ سوف يتزايد الاتجاه مستقبلًا نحو المؤسسات التي تسمح بمشاركة الموظفين على نطاق واسع بالتزامن مع تزايد حاجة المؤسسات إلى السرعة والمرونة والمعرفة.

مراعين للتنوع؛ إذ لن تقتصر الوظائف على لون أو عرق أو جنس معين، وستزداد نسبة الموظفين من النساء والأقليات والمهاجرين الذين يحملون مجموعة مختلفة ومتنوعة من الاحتياجات والاهتمامات والثقافات.

متواصلين فعَّالين ومؤهلين للتعامل مع الثقافات المختلفة؛ إذ تحتاج القوى العاملة شديدة التنوع إلى قائدٍ واعٍ ومراعٍ للتطلعات والاحتياجات الثقافية المتنوعة.

بناة لمجتمع منظَّم؛ ستكون بيئات العمل والمؤسسات بمثابة مصدر رئيسي لتلبية احتياجات المجتمع، وسيُساهم القادة في بناء هذا المجتمع بطريقة تُشعر أعضاء المؤسسة بالانتماء للمؤسسة ورسالتها. أخيرًا، من الجدير بالذكر أنَّ دراسة عملية القيادة ومحاولة فهمها ووضع النظريات التي تبيِّنها عمليّة مُستمرّة مع تواصل الدراسات والأبحاث التي تنظُر في مفهوم القيادة وتضع النظريات الجديدة. على الرغم من أنَّ نظرية السمات والنظريات السلوكية والموقفية التي تفسِّر القيادة تزوِّدنا بكمية كبيرة من المعلومات عنها، إلَّا أنَّ الصورة الكبيرة لم تكتمل بعد.

لقد ظهرت عدة نظريات حديثة في القيادة خلال الخمس عشرة سنة الماضية، ومن ضمن هذه النظريات: نظرية التبادل بين القائد والعضو، ونظرية القيادة الضمنية، ونظرية القيادة الكاريزمية الجديدة (neocharismatic theory)، ونظرية القيادة القائمة على القيم، والقيادة الرؤيوية (أو المُتبصّرة)، والتي ستقدِّم كل واحدة منها بمرور الوقت معلومات جديدة حول القادة وعملية القيادة.

سيواجه القادة في القرن الحادي والعشرين تحديات كبيرة والكثير من فرص تطوير الذات وتحقيق الذات، وستكون التحديات والمكافآت التي تنتظر القادة الفعَّالين مدهشة!

ترجمة -وبتصرف- للفصل Transformational, Visionary, and Charismatic Leadership من كتاب Principles of Management

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *