القيادة والرقابة: وظائف إدارية تحتاج الديمومة للحصول على النتائج المطلوبة

في هذا المقال من سلسلة مقالات مدخل إلى عالم الأعمال، سنعرض النوعين الآخرين من وظائف الإدارة الأساسية التي يجب أن تتواجد في أي مؤسسة لضمان إدارة فعالة وسليمة، وهما القيادة والرقابة، اللذان يعتبران وظائف جد مهمة يتطلبان الاستمرارية الدائمة في القيام بها، وعدم إهمالها، لتسهيل عمليات التنبؤ واتخاذ القرارات والوقوف على حسن سير العمل.

قيادة الآخرين وتوجيههم وتحفيزهم

كيف تؤثر أساليب القيادة في ثقافة شركةٍ ما؟

القيادة هي الوظيفة الإدارية الرئيسة الثالثة، وتُعَرَّفُ بأنها عمليةُ توجيه الآخرين، وتحفيزهم، لتحقيق أهداف المؤسسة، ويمكن لأي أحدٍ ضمن المؤسسة أن يكون قائدًا، بصرف النظر عن منصبه، ما دام يؤثر في الآخرين، ويدفعهم إلى العمل، أو إلى اتباعه باختيارهم غالبًا، والمديرون هم قادةٌ معينون، وفقًا لهيكلية المؤسسة، ولكنهم قد يضطرون إلى التهديد بنتائج سلبية، أو إلى استخدام الإكراه لإحداث التغيير. وفي الهيكلية المؤسسية، يستخدم المديرون -في مستوى الإدارة العليا- مهارات القيادة لتحديد الدعم اللازم لتوجّه الشركة، وخططها الطويلة، (مهمتها، ورؤيتها، وقيمها) ومشاركته، وكسبه، مثلما يفعل جيف بيزوس (Jeff Bezos) صاحب شركة أمازون (Amazon). أما المديرون في مستوى الإدارة الوسطى، والإشرافية، فيستخدمون مهارات القيادة استخدامًا يوميًّا في عملية توجيه الموظفين أثناء تنفيذ هؤلاء للخطط، والأعمال، ضمن هيكل المؤسسة الذي رسمته الإدارة. إن مستوى القيادة العليا الذي أظهره جيف بيزوس، مالكُ شركة أمازون، تجلَّى -كذلك- لدى جاك ويلش (Jack Welch) خلال تقلده قيادة شركة جنرال إلكترك، وقد أُجريت دراساتٌ ركزت على النهج القيادي الذي اتبعه، وتحتاج المؤسساتُ -بشدة- إلى قيادةٍ فاعلة، وقوية، على مستوياتها كافة، لتحقق أهدافها، وتبقى ضمن المنافسة.

ولكي يكون المديرون قادةً فاعلين، فعليهم امتلاك القدرة على التأثيرِ في تصرفات الآخرين، ويُطلَق على هذه القدرة المؤثرة في الآخرين -ليتصرفوا تصرفًا معينًا- مصطلح سلطة، وقد حدد الباحثون خمسة مصادر، أو قواعد رئيسة، للسلطة الإدارية، وهي:

السلطة الشرعية: وهي المستمدة من المنصب الذي يشغله المدير في المؤسسة.

سلطة المكافأة: وهي المستمدة من القدرة على منح مكافآت ضمن صلاحيات المدير.

سلطة القسر: وهي المستمدة من قدرة المدير على التهديد بنتائج سلبية.

سلطة الخبرة: وهي المستمدة من المعرفة الواسعة التي يملكها المدير في مجال واحد، أو أكثر.

سلطة المرجع: وهي المستمدة من قوة الشخصية التي يتمتع بها المدير، ومن الاحترام الذي يفرضه لشخصه، والإعجاب الذي يولده في نفوس الآخرين تجاهه.

ويستخدم العديد من القادة الإداريين مزيجًا من مصادر السلطات تلك، للتأثير في الأفراد، ودفعهم باتجاه تحقيق أهداف المؤسسة، فقدِ استمد آلان جورج لافلي (A. G. Lafley)، وهو الرئيس التنفيذي لشركة بروكتر وغامبل (Procter & Gamble) سلطته الشرعية من منصبه هذا، أما سلطة المكافأة الخاصة به، فامتلكها من خلال إعادة تنشيط الشركة، وجعل السهم فيها أعلى قيمة، كما أن منح العِلاوات، والمكافآت التشجيعية للمديرين الذين يحققون أهدافهم، كان جزءًا من سلطة المكافأة لديه، ولم يكن لافلي يتردد في فرض سلطة القسر لديه؛ فقد ألغى آلافَ الوظائف، وباع العلامات التجارية ذات الأداء المتدني المستوى، وأوقف خطوط الإنتاج الضعيفة عن العمل، وخلال مسيرته مع الشركة التي امتدت لحوالي أربعين عامًا، كان لدى لافلي سلطةٌ فريدةٌ، امتدت لتشمل منتجات شركة بروكتر وغامبل، وأسواقها، وابتكاراتها، وزبائئها، وتضاعفت مببعاتُ تلك الشركة في فترة تقلده منصب الرئيس التنفيذي، التي امتدت لتسع سنوات، وارتفعت محفظتها من العلامات التجارية من 10 إلى 23 علامة، وكان لافلي صاحب الفضل في صفقات شراء شركات كليرول (Clairol)، وفيلا إي جي (Wella AG)، وآيمز (IAMS)، بالإضافة إلى الاندماج مع شركة جيليت (Gillette) التي قدّرت قيمتها بعدة مليارات من الدولارات، ونتيجة لهذه الإنجازات التي حققها لافلي، حاز على سلطةٍ مرجعية قوية؛ ويحظى هذا الرجل باحترام واسع، ليس -فقط- من قبل العاملين في شركة بروكتر وغامبل، بل في أوساط مجتمع الأعمال التجارية بوجه عام، وتقول عنه آن جيلين ليفيفر (Ann Gillin Lefever)، وهي مديرة إدارية في بنك ليمان براذرز (Lehman Brothers): “لافلي قائدٌ محبوب، وتوجيهاته بسيطةٌ للغاية؛ يضع خططًا طويلة مفهومةً من قبل الجميع، وقيامُهُ بذلك هو أصعب مما ينال التقدير لأجله”.

أساليب القيادة

يميل الأشخاص الذين يشغلون المواقع القيادية إلى الانسجام النسبي، في الطريقة التي يحاولون فيها التأثير في تصرفات الآخرين، أي أن كلًا منهم لديه نزعة إلى التفاعل مع الناس، والظروف، بطريقة معينة، ويُشار إلى هذا النمط من السلوك بمسمى أسلوب القيادة، ومثلما يوضح الجدول 6.4، يمكن أن تُبنى أساليب الإدارة على عملية مستمرة من ثلاثة أساليب يتمايز بعضها عن بعض، وهي: السلطوي، ولتشاركي، والحر.

ف القادة السلطويون: هم قادة يصدرون تعليمات، ولا يسمحون إلا بهامشٍ ضيق جدًا من المشاركة من قبل مرؤوسيهم، ويفضلون اتخاذ القرارات، وحل المشاكل بمفردهم، متوقعين من المرؤوسين تطبيق الحلول وفقًا لتعليماتهم المحددة، والمفصلة إلى حدّ بعيد، وفي هذا النمط من القيادة، تأخذ المعلومات اتجاهًا واحدًا، من القادة باتجاه المرؤوسين -فقط- فالحياة العسكرية سلطوية بالضرورة، وعندما يعامل القادة السلطويون موظفيهم بعدالة، واحترام، فقد يعدون واسعي المعرفة وحازمين، ولكن غالبًا ما يُنظَر إلى أولئك القادة بوصفهم متزمتين فكريًا، وقُساةٌ في رفضهم مشاركة السلطة، والمعلومات، واتخاذ القرارات ضمن المؤسسة، ولكن التوجه الحالي في قيادة المؤسسات بعيدٌ عن أسلوب القيادة السلطوي التحكّمي هذا.

الصورة 6.4: صُنِّفَت مديرةُ العمليات في شركة فيسبوك، شيرل ساندبيرغ (Sheryl Sandberg)، في المراتب الأولى على قائمة مجلة فوربس (Forbes) لأقوى الشخصيات النسائية؛ وبوصفها مديرة العمليات في فيسبوك منذ العام 2008، فقد ساعدت هذه المرأة في زيادة إيرادات شركة التواصل الاجتماعي تلك زيادة متسارعة، وأسست -كذلك- منظمة لين إن (Lean In) غير الربحية، التي تحمل اسم أحد كُتُبها (Lean In) الذي كان من الكتب الأكثر مبيعًا، وذلك بهدف دعم تمكين المرأة.

وبدلًا من ذلك، باتت الشركات في دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث أكثر فأكثر عن قادة تشاركيين، أي قادةٍ يشاركون مجموعاتٍ من الأشخاص سلطةَ اتخاذ القرارات، ويشجعون على نقاش المشاكل، والبدائل، ويستخدم القادة التشاركيون أسلوبًا ديمقراطيًا، وتوافقيًا، وتشاوريًا، ومن الرؤساء التنفيذيين المعروفين بأسلوب القيادة التشاركي ميغ ويتمان، وهي الرئيس التنفيذي السابق لشركة هوليت باكارد (Hewlett Packard). فعندما عملت ميغ لدى شركة إيباي (eBay)، بدأ فريقٌ في مقر الشركة بألمانيا حملةَ “صيدِ كنزٍ” ترويجية، فأطلق صفحاتِ تسجيل، وتلميحاتٍ، وساعةَ عدٍّ تنازلي، وكانت المشكلة في أن عملية الإطلاق تلك، انتهكت عمليات تطوير المشاريع المؤسسية الراسخة لدى شركة إيباي، وعندما بدأت عملية “صيد الكنز” تلك، سجل حوالي 10 ملايين متنافس الدخول إلى الصفحة الخاصة بها، مما أدى إلى انهيار مخدِّمات الإنترنت المحلية، وبدلًا من إغلاق المشروع، سمحَ نائب رئيس تلك الشركة الموجودة في ألمانيا بإصلاح المشروع الترويجي دون أن يخضع ذلك لرقابة المسؤولين في مقراتها الرئيسة، وظهرت بعدها ابتكاراتٌ ناجحة مثل: برنامج الجدولة، وإعداد القوائم إيزي ليستر (Easy Lister) إلى جانب عمليات تسجيل منفصلة للبائعين الخاصين والتجاريين، وعندما شارك نائبُ الرئيس تلك التجربة مع ميغ ويتمان، طوَّرت هذه الأخيرةُ فكرةَ النمذجة السريعة (rapid prototyping) عبر المؤسسة، والتي “تخرق القواعد لإنجاح شيءٍ ما” فكرَّست هذا التصرف نموذجًا ضمن الشركة.

أساليب القيادة لدى المديرين

مستوى السلطة التي يحوز عليها القائد

الأسلوب السلطوي

الأسلوب التشاركي (ديمقراطي، توافقي، تشاوري)

الأسلوب الحر

يتخذ المديرون معظم القرارات، ويتصرفون بأسلوب سلطوي. لا يهتم المديرون الذين يتبعون أسلوب القيادة هذا بمواقف مرؤوسيهم تجاه القرارات التي يتخذونها. ينصبُّ التركيز على إنجاز المهام. يُطبَّق هذا الأسلوب القيادي -غالبًا- من قبل ضباط الجيش، وبعض المشرفين على خطوط الإنتاج.

يشارك المديرون مجموعاتٍ من الأشخاص سلطةَ اتخاذ القرارات، ويشجعون العمل الجماعي. يشجع المديرون النقاش حول المشكلات والبدائل. يهتم المديرون بأفكار مرؤوسيهم ومواقفهم. يُدرِّبُ المديرون مرؤوسيهم، ويساعدونهم في تنسيق الجهود. يُعمَل بأسلوب القيادة هذا في كثيرٍ من المؤسسات الناجحة.

يمنح المديرون -افتراضيًا- كامل السلطة، والسيطرة التي يملكون إلى مجموعة المرؤوسين. تسند المهمةُ إلى تلك المجموعات التي تُمنَح حريةَ إنجازها. ينجح هذا الأسلوب مع الموظفين المتحفزين، وذوي الخبرة، والتعليم عاليَي المستوى. يُعمل بأسلوب القيادة هذا في شركات التقنيات المتقدمة، والمخابر، والكليات الجامعية.

مستوى السلطة التي تحوز عليه جماعة المرؤوسين

table {
width: 100%;
}

thead {
vertical-align: middle;

text-align: center;}

td, th {
border: 1px solid #dddddd;
text-align: right;
padding: 8px;
text-align: inherit;

}
tr:nth-child(even) {
background-color: #dddddd;
}

الجدول 6.4

.addtional__paragraph {
border: 3px solid #f5f5f5;
margin: 20px 0 14px;
position: relative;
display: block;
padding: 25px 30px;
}

الأخلاق مطبقة

سكوت ستيفنسون (Scott Stephenson): موازنة ثنائية الأخلاق

يبدو أنَّ عالم الأعمال لا يخلو من قضايا أخلاقية، باتت تشكل جزءًا مهمًا من طبيعته، سواء أتعلَّقَ الأمرُ ببيرنارد مادوف (Bernie Madoff) واحتياله على المستثمرين، أو بشركة ولز فارجو (Wells Fargo) فيما يخص ردَّها على إنشاء حساباتٍ، وهمية، بأسماء زبائن حقييقيين لها، أو بشركة الأدوية مايلان إن في (Mylan N.V) وفرضها زياداتٍ هائلة على سعر دواء إيبيبين (EpiPen) المُنقِذ للحياة. ومثلما تُظهِر هذه الأمثلة؛ تسودُ القراراتُ غير الأخلاقية أجزاءً مختلفة من عالم الأعمال، ولذلك أسباب مختلفة.

فبالنسبة لحالة بيرنارد مادوف، فقد تسبب بها طمعُ شخصٍ استخدمَ ما يسمى مخطط بونزي (Ponzi scheme) للاحتيال على آلاف من الزبائن، أما في حالة شركة ولز فارجو، فالمتسبب بها كان المديرون الذين مارسوا ضغوطًا كبيرة على الموظفين لبلوغ الحصص المقررة من الحسابات الجديدة، وفيما يخص شركة مايلان للأدوية، فقد رفعت تلك الشركةُ سعر الدواء المسمّى إيبيبين رفعًا مذهلًا خلال مدة زمنية قصيرة، كما رشحت تقارير تقول: إن الرئيس التنفيذي لتلك الشركة، المدعوة هيذر بريش (Heather Bresch)، وغيرُها من المديرين التنفيذيين، قد تلقوا تعويضاتٍ تزيد على 700% خلال تلك المدة ذاتها، وأضِف إلى قصة ذلك الدواء حقيقةَ أن هيذر تلك؛ هي ابنة العضو في مجلس الشيوخ الأمريكي من ولاية فرجينيا الغربية، المدعو جو مانشين (Joseph Manchin)، وقبل تعيينها رئيسةً تنفيذية لشركة مايلان، عملت هيذر عضوًا بارزًا في جماعة ضغط، وساعدت في سن التعديلات على رسوم مستخدمي الدواء المكافئ (Generic Drug User Fee Amendments) وقانون الوصول المدرسي إلى دواء إيبنفرين لحالات الطوارئ (School Access to Emergency Epinephrine Act).

أين تكمن مسؤولية إدارة السلوك الأخلاقي في المؤسسة؟ الجواب هو: يعد كلُّ فرد فيها مسؤول عن التصرف بأخلاق، ومع ذلك، تقع المسؤولية بدرجة كبيرة على عاتق الرئيس التنفيذي، وعلى المدير المالي -كذلك- الذي عليه مسؤولية الإشراف على الالتزام بالقوانين، والأنظمة من الناحية المالية، ويعلّق سكوت ستيفنسون (Scott Stephenson)، وهو الرئيس التنفيذي لشركة التحليلات الإحصائية فيريسك (Verisk Analytics)، على الكيفية التي يقارب فيها الثنائية التي يسميها “أرخِ، و شُدّ (Loose-Tight)” فيما يخص القيادة الإدارية، والتي يمنح موظفيه وفقًا لها سلطةً تقديرية، ومسؤولية لاتخاذ قراراتٍ مصيرية في أوقات الأزمات، عندما يقتضي الأمرُ مراعاة المعايير الأخلاقية. إذًا، هذا هو الجزء المرتخي من ذلك النهج، كما يعمل ستيفنسون على التواصل مع موظفيه، وبناء الثقة بينه، وبينهم، ليكون على يقين من أنهم سيتصرفون بما تمليه عليهم الأخلاق، وسيتخذون القراراتِ الصحيحة في أوقات الأزمات، وهذا هو الجزء المشدود في ثنائية القيادة الإدارية التي يتّبعها.

أسئلة التفكير الناقد:

هل تعتقد أن شركة التحليلات الإحصائية فيريسك (Verisk Analytics)، وهي شركة تقنية، تحتاج إلى تحقيق إنجازاتٍ مبتَكَرة، تستفيد من نهج سكوت ستيفنسون المرتخي حينًا، والمشدود حينًا آخر (Loose-Tight)؟ وماذا لو كان ستيفنسون قائدًا مستبدًا؟ اشرح استنتاجك.

إلى أي نوعٍ من القادة التشاركيين (هذا ما سنشرحه في الأسفل) يبدو انتماء ستيفنسون؟ اشرح الاختيار الذي انتقيته.

هناك ثلاثة أنواع للمديرين التشاركيين، هي: الديمقراطيون، والتوافقيون، والتشاوريون.

ف القادة الديمقراطيون يطلبون من جميع أفراد مجموعة المرؤوسين الخاضعين لسلطتهم، تقديم إسهاماتهم، ثم يسمحون لهم باتخاذ القرار النهائي وفقًا لعملية تصويت، ينجح أسلوب القيادة الديمقراطي هذا مع المحترفين ذوي التدريب العالي، ويمكن لرئيس عيادةِ أطباء تطبيق هذا الأسلوب في القيادة.

أما القادة التوافقيون، فيشجعون النقاش حول المشاكل، ثم يطلبون من الأطراف المعنيين كافة، الموافقة على القرار النهائي. يُطبَّق أسلوب القيادة التوافقي هذا من قبل وسطاء عقود العمل بوجه عام.

أما القادة التشاوريون، فيتشاورون مع مرؤوسيهم قبل اتخاذ القرار، لكنهم ينفردون بسلطة اتخاذ القرار النهائي، وبات هذا الأسلوب يُستخدَم بشكل متسارع لزيادة إنتاجية عمال خطوط التجميع.

أما أسلوب القيادة الثالث، بعد الأسلوبين السلطوي والتشاركي، فهو أسلوب القيادة الحر، أو المسمى “دعه يعمل”، بالفرنسية: (laissez-faire)”. يمنح المديرون الذين يطبقون أسلوب القيادة الحر مرؤوسيهم كامل السلطة، والسيطرة؛ إذ يُعهَدُ للموظفين بمهمة ما، ثم يُعطَون حريةً كاملة ليجدوا الطريقة الأفضل لإنجازها، ولا يتدخل المديرون ما لم يُطلَب إليهم ذلك، ووفقًا لهذا الأسلوب، يتمتع المرؤوسون بحرية غير محدودة، بشرط ألا ينتهكوا سياسات الشركة المعمول بها، ويُستخدَم هذا الأسلوب -أحيانًا- في التعامل مع المحترفين ذوي التدريب العالي، مثل العاملين في المخابر البحثية.

وقد يفترض أحدهم أنَّ المرؤوسين يفضلون أسلوب القيادة الحر، ولكنه أسلوبٌ لا يخلو من عيوب عديدة، فلو ترافق ذلك الأسلوب مع توقعاتٍ غير واضحة، ومع غياب تقييمات المدير، وملاحظاته، فستكون التجربة مُحبِطةً للموظف الخاضع له، فقد ينظر الموظفون إلى مديرهم على أنه غير منخرطٍ في العمل المطلوب إنجازه، أو غير قادر على تقديم الهيكلية، والمعلومات، والخبرة المطلوبة.

ولا وجود لأسلوب قيادة مثالي دائمًا، إذ يدرك المديرون المثاليون التطور الذي يحققه الموظف، ويتبعون في التعامل مع ذلك قيادة ظرفيةً فيختارون في ضوئها أسلوب قيادة متوائمًا مع مستوى نضجِ الموظفين، الذين يتقلدون تنفيذ المهام، وكفاءتِهم، فالموظفون المعينون حديثًا قد يستجيبون جيدًا لأسلوب القيادة السلطوي ريثما يستوعبون متطلباتِ العمل، ويُظهِرون قدرة على التعامل مع القرارات الروتينية، ومتى نجحوا في تخطي هذه المرحلة، فقد يبدأ أولئك الموظفون يشعرون بأنهم لا يتلقَّون التقديرَ الكافي في ظلِّ الأسلوب السلطوي، وأنهم يُبلون بلاء حَسَنًا في ظل أسلوب القيادة التشاركي أو الحر، ويؤدي تطبيق أسلوب قيادةٍ ظرفية إلى تمكين الموظف، مثلما سنناقش لاحقًا.

تمكين الموظف

يستخدم مديرو أسلوب القيادة التشاركي، والحر، نهجًا يُدعى التمكين (empowerment) لمشاركة المرؤوسين سلطةَ اتخاذ القرار، ويعني التمكينُ منحَ الموظفين استقلاليةً، وسلطةً تقديرية، لاتخاذ القرارات بأنفسهم، إلى جانب منحهم سيطرةً على الموارد المطلوبة لتطبيق تلك القرارات، وعندما تُشارَكُ سلطةُ اتخاذ القرار على مستويات المؤسسة كافة، يتولّدُ لدى الموظف حسٌّ عالٍ بالمسؤولية عن النتائج المؤسسية التي تتمخض عن تلك القرارات، وبالمشاركةِ فيها.

إنَّ اتّباع نهج تمكين الموظفين من قبل القيادة في اتخاذ القرار، آخذٌ في الازدياد، ويأتي هذا المستوى العالي من الانخراط، والمشاركة من إدراك أن كُلَّ واحدٍ من موظفي المؤسسة، وعلى مستوياتها كافة، لديه قدراتٌ، ومهاراتٌ، ومعرفةٌ فريدة، قد تكون ذات قيمةٍ كبيرة للشركة، فمثلًا: عندما ضرب إعصارُ كاترينا منطقةَ ساحل الخليج الأمريكي، قُطعَت خطوطُ سككٍ حديدية بطول حوالي خمسة أميال عن أحد الجسور التي تربط مدينة نيو أورلينز بمدينة سليدل في ولاية لويزيانا في الولايات المتحدة، وفي ظل فقدان خطوط السكة الحديدية، التي سقطت في بحيرة تسمى بونتشارترين، لم يعد بوسع شركة النقل المعروفة باسم نورفولك ساوذرن ريلوي (Norfolk Southern Railway) نقلُ البضائع بين الساحلين الشرقي، والغربي، وقبل أن يضرب الإعصار، كان جيف مكراكن، وهو كبير المهندسين لدى الشركة المذكورة، قد سافر إلى مدينة برمنغهام في إنكلترا، وبحوزته معداتٌ اعتقد أنه قد يحتاجُها، وبعدها إلى مدينة سليدل الأمريكية وبرفقته مئة موظف، وبعد مشاوراتٍ أجراها مع عشراتٍ من موظفي الشركة، ومع ثلاث شركات متخصصة في الجسور، قرر جيف أن يحاول انتشال خطوط السكة الحديدية التي يبلغ طولها عدة أميال من البحيرة، حيث سقطت (فبناءُ خطوطٍ جديدة كان سيستغرق عدة أسابيع على الأقل)، ولتنفيذ ذلك، جمعَ 365 مهندسًا، ومشغِّلي آلات، وعمالًا آخرين، ووضع ثماني رافعاتٍ على نسقٍ واحد، وخلال عدة ساعات، نجحوا في انتشال خطوط السكة الحديدية الغارقة، والبالغ طولها خمسة أميال، قطعةً واحدة إلى خارج البحيرة، ثم أعادوا وصلها إلى الجسر الذي يربط مدينة نيو أورلينز بمدينة سليدل، وبفضل منح استقلالية للموظفين في اتخاذ القرارات، وحرية الوصول إلى الموارد المطلوبة، تجنَّبت شركة نورفولك ساوثيرن ريلوي، توقفًا لخدماتها على مستوى الولايات المتحدة، حيث كان سيأتي بنتائج وخيمة.

الصورة 6.5: ألَّفَ قائدُ الفكر الإداري بيتر دراكر (Peter Drucker) (الولادة: 1909- الوفاة 2005) عشرات الكتب، والتي تُرجِمَت إلى لغاتٍ عديدة، وقد أشار معظم المفكرين الإداريين إلى أنه على الرغم من أن كتاباته كانت شديدة الارتباط بمدرسة العلاقات الإنسانية في مجال الإدارة، مثله مثل دوغلاس مكغريغور (Douglas McGregor) و وارين بينيس (Warren Bennis)، فقد كان شديد الإعجاب ب فريديريك وينسلو تايلور (Frederick Winslow Taylor)، وهو مؤسس الإدارة “العلمية”.

ثقافة الشركة

عادةً ما يكون أسلوب القيادة الذي يتّبعه المديرون داخل مؤسسةٍ ما، ذا دلالةٍ على الفلسفة التي تقوم عليها تلك المؤسسة، أو قيمِها، ويُطلَق على مجموعة المواقف، والقِيَم، ومعايير السلوك، التي تُميِّزُ مؤسسةً عن أخرى مسمى: ثقافة الشركة (Corporate Culture). تتطور ثقافة الشركة عبر الوقت، وتقوم على التاريخ التراكميّ للمؤسسة، والذي يشمل رؤيةَ مؤسسيها، كما تتأثر ثقافة الشركة بأسلوب القيادة المُتَّبَع داخلها، ويظهَرُ دليلٌ على ثقافةِ شركةٍ ما في قادتها الاستثنائيين مثل: آندي غروف (Andy Grove) الذي كان يتولى منصب رئيس مجلس إدارة شركة إنتل (Intel) ورئيسها التنفيذي)، وفي ما يُروى عنها من حكايات، وقصص يجري تناقُلُها من موظفٍ لآخر، وفي رموزها (مثل اسم شركة نايكي (Nike)، وهو اسم آلهة النصر عند الإغريق)، وكذلك في الاحتفالات التي تقيمها تلك الشركة، ويتجاهلُ الناسُ -أحيانًا- ثقافة شركة غوغل، التي تعمل ضمن فِرقٍ، وتشجّع الابتكار، لصالح إبداء الإعجاب بامتيازاتِ موظفيها. ولكنَّ كِلا الأمرين مهمٌّ بالنسبة لثقافة الشركة، فمنذ العام 2007، كانت شركة غوغل، وما تزال، في المرتبة الأولى، أو قريبةً منها على قائمة فورتشن، التي تضم “أفضل 100 شركة للعمل لديها”، وهي قائمة سنوية مبنية على دراسات استقصائية خاصة بالموظفين، تجريها شركة مستقلة تُسمّى غريت بليس تو ورك (20) (Great Place to Work®). “لا نغفل أبدًا مُذُ كُنّا شركةً ناشئة عن حقيقة أنَّ الأمور العظيمة تحدث بوتيرة أكبر في ظل الثقافة، والبيئة الصحيحتين”؛ هذا ما قاله متحدثٌ باسم شركة غوغل، ردًّا على ظَفَرِها بالمركز الأول.

وقد تكون الثقافة داخل شركةٍ ما معنويةً بطبيعتها، ولكنّها تترك تأثيرًا هائلًا في معنويات الموظفين، ونجاح الشركة، وتتعامل شركة غوغل مع معنويات موظفيها بأسلوبٍ تحليليّ؛ فعندما وجدت أنّ الأمهاتِ الموظَّفاتِ لديها، يغادرن الشركة بمعدلاتٍ أعلى من سواهن من جماعات الموظفين الأخرى -طوَّرَتْ سياساتها الخاصة بمنحِ الإجازات لِمن لديهن أطفالٌ، وبحاجة إلى رعايةٍ أُسرية، وقد أثمرت تلك السياسات الجديدة انخفاضًا في عدد الأمهات الموظفات اللواتي يغادرن الشركة بنسبة 50%. إذًا، فالنهجُ التحليلي الذي تتبعه شركة غوغل، إلى جانب الأنشطة التي تسهم في تكريس ثقافة الشركة، مثل اللقاءات المفتوحة التي يقودها السُّود، ومن يتحالف معهم، ودعمُ الموظفين المتحولين جنسيًا، إلى جانب ورشات العمل الخاصة بالتحيز اللاواعي، هي جميعًا أسبابٌ تدفع الموظفين إلى القول بأن شركة غوغل مكانٌ آمن للعمل، ويحتوي الجميعَ. وواضحٌ أن ثمة إدراكًا لدى القادة الإداريين في شركة غوغل للأهمية الفائقة لثقافة الشركة في نجاحها الكلي.

الرقابة

كيف تمارس المؤسساتُ الرقابة على النشاطات؟

الرقابة هي الوظيفة الرابعة الرئيسة التي يمارسُها المديرون، وهي عمليةُ تقييمِ مدى التقدم الذي تنجزه المؤسسة في تحقيق أهدافها. ويتضمن مراقبة تطبيقِ خطةٍ ما، وتصحيح أيِّ انحرافٍ عنه، ومثلما تُظهِرُ الصورة 6.6، يمكن النظر إلى الرقابة بوصفها عمليةً دائرية الاتجاه، مكونة من خمس مراحل.

الصورة 6.6: عملية الرقابة

أما معاييرُ الأداء، فهي مستويات الإنجاز التي ترغب شركةٌ ما في الوصول إليها، وتُبنى الأهداف المتمثلة في تحقيق ذلك على خطط الشركة الطويلة، والقصيرة المدى، والعملياتية (أو التنفيذية)، وتتمثلُ أكثرُ معايير الأداءِ فاعليةً في تلك التي تحدد أهدافًا سلوكية قابلة للقياس، ويمكن تحقيقُها ضمن إطارٍ زمني محدد، فعلى سبيل المثال: قد يُحدَّدُ معيارُ الأداء الخاص بقسم المبيعات في الشركة، أو هدفه، بـ “مبيعاتٍ صافية بقيمة 200,000 دولار لشهر يناير”، وسيكون لكل موظف في قسم المبيعات المذكور هدفٌ محدد عليه إنجازُه، ولإخضاع مسألة إنجاز الأهداف للقياس، يمكن قياس الإنجاز الفعلي المحقق من قبل شركة، أو قسم، أو موظف، بموازنته بمعايير الإنجاز المرغوب تحقيقها، لتبيّن وجود فجوة بينهما من عدمه، وفي حال وجود تلك الفجوة، فيجب تحديد السبب في ذلك، واتخاذ إجراءاتٍ تصحيحية.

ويعد التقييم أساسيًا لعملية الرقابة؛ ولهذا السبب نجد لدى معظم الشركات نظامَ إبلاغٍ يحدد الجوانب التي لم تُستوف فيها معايير الإنجاز المطلوب، ويساعد نظام التقييم هذا، المديرين على تحديد المشاكل قبل أن تخرج عن السيطرة، وإذا ظهرت مشكلةٌ ما، يتَّخِذِ المديرون إجراءاتٍ تصحيحيّةً، فشركة تويوتا (Toyota) تتّبع نظامَ رقابةٍ بسيطًا، ولكنه فعالٌ، في خطوط تجميع سياراتها؛ ويتمثل ذلك النظام في أخدِ كل موظفٍ لديها دورَ الزبون بالنسبة لعملية التصنيع التي تجري أمامه، والتي يشارك في إنجازها، وتُمَكِّنُ تلك الشركةُ كلَّ عاملٍ لديها من أداء دورِ مُفتّشٍ رقابيٍّ على الجودة؛ ففي حال شابَ عيبٌ ما جزءًا من السيارة، أو لم يكن موصَّلًا بالشكل الصحيح، فلن يتغاضى عن ذلك العاملُ التالي؛ الذي يشرف على السيارة، وبوسع أي عاملٍ لدى تويوتا أن يُنبِّهَ المشرف إلى مشكلةٍ ما، عبر ما يمكن تشبيهه بشدِّ حبلٍ يُضيئ ضوء إنذار، وهذا ما يُقصَد به عملية التقييم، وفي حال لم تُصَحَّحِ المشكلةُ، يمكن لذلك العامل إيقاف خطِّ التجميع بأكمله.

لِمَ تحظى عمليةُ الرقابة بتلك الأهمية بالنسبة لعمل المديرين؟

أولًا- لأنها تساعدهم في الوقوف على مدى نجاح الثلاثة الوظائف التي يمارسونها، وهي: التخطيط، والتنظيم، والقيادة.

ثانيًا- لأنَّ نظام الرقابة يوجّه سلوك الموظف نحو تحقيق أهداف المؤسسة.

ثالثًا- لأن الرقابة هي وسيلةٌ لتنسيق أنشطة الموظفين، وتحقيق التكامل بين الموارد عبر المؤسسة.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Management and Leadership in Today’s Organizations) من كتاب introduction to business

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *