رائد الأعمال وحل المشاكل: كيفية العثور على الحلول الريادية

غالبًا ما يتصوّر روّاد الأعمال – كما تعلّمت – وجود فجوةً فرصيّة بين الموجود، وبين ما يمكن أن يوجد، ولسد تلك الفجوة يتم اللجوء إلى حلّ المشاكل الرّيادية، فحلّ المشاكل الرّيادية هو عمليّة استخدام الابتكار، والحلول الإبداعيّة لسدّ تلك الفجوة بحلّ مشاكل مجتمعيّة، أو تجاريّة، أو تقنية تكنولوجيّة. وقد تقود المشاكل الشّخصيّة أحيانًا إلى فرص رياديّة، إذا تحقّقت منها في السّوق، حيث يتصوّر رائد الأعمال فرصة ملء الفجوة بحلّ ابتكاريّ قد يتطلّب مراجعة منتج ما، أو إنشاء منتج جديد كليًّا. وعلى أيّة حال، يقترب رائد الأعمال من عمليّة حلّ المشاكل بطرائق مختلفة.

سنعرض في ما يلي شروحات أكثر عن مصطلح حل المشاكل الريادية، نموذجيه المعروفين، وأهم المهارات الواجب امتلاكها للقدرة على حل هذا النوع من المشاكل، إلى جانب تقديم أنواع حلالي المشاكل الذين يتخذون طرقا متباينة لحل مشاكلهم الريادية للوصول إلى نتيجة واحدة، حتى تتمكن من المفاضلة بين الطريقة الأنسب لك، ولوقتك، وطبيعة المشكلة التي أمامك، وسد الفجوة الفرصية التي أمامك.

الفرق بين حل المشاكل واتخاذ القرارات

لا بدّ قبل الخوض في هذا المقال من التّفريق بين اتّخاذ القرارات، وبين حلّ المشاكل، حيث أنّ:

اتّخاذ القرار مطلوب لمواصلة، أو تسهيل عمليّة من شأنها التأثير على سير العمليّة، أو الشّركة، ويمكن أن تكون بديهيّة، أو تتطلّب بحثاً، ووقتاً طويلا من التّفكير.

حلّ المشاكل عمليّة أكثر مباشرةً، إذ تنطوي على حلّ لمشكلة تخلق فجوةُ بين الوضع الحالي، والوضع المرجو.

روّاد الأعمال حلاّلو مشاكل يقدّمون حلولََا باستخدام الإبداع، أو المشاريع الابتكاريّة الّتي تستغلّ الفرص، ويركّز هذا المقال على المقاربات المختلفة لحلّ المشاكل، والتعرّف على الاحتياجات الّتي تساعد روّاد الأعمال المحتملين على الخروج بأفكار، وصقلها.

نموذجا حل المشاكل: التكييف والابتكار

نجد نموذجين بارزين لحلّ المشاكل: المتّكيّف، والمبتكر، وقد طوّر مايكل كيرتون عالم النّفس البريطانيّ الشّهير نظريّة مخزون KAI اختصار (Kirton Adaption-Inovvation) بمعنى نظريّة كيرتون للتكيّيف، والابتكار، لقياس أسلوب الفرد في حلّ المشاكل، وتعتمد تفضيلات حلّ المشاكل -وفق كيرتون- على خصائص الشّخصيّة من أصالة بمعنى الإبداع، وتوافق، وكفاءة؛ حيث يحدّد مخزون KAI نهج الفرد في حلّ المشاكل بقياس اتّفاقه مع عبارات ترتبط بالخصائص الشّخصيّة، مثل: القدرة على المجيء بأفكار جديدة، واتّباع القواعد، والعمل مع المجموعات، وتوجيه التصرّف اليوميّ نظاميّا؛ وتصنّف النّتائج الفرد إما مبتكرًا، أو متكيّفًا، فالأوّل شديد الأصالة (الأفكار الأصليّة)، لا يحبّ التّوافق، ولا يقدّر النّجاعة بقدر ما يفعل المتكيّفون.

قد يستخدم رائد الأعمال النّهج الأوّل الأكثر محافظة في حلّ المشاكل، وهو النّموذج التكيّفيّ، ويبحث هذا النّموذج عن حلول المشاكل بطرق معينة بعد تجريبها، ومعرفة نجاعتها، و يقبل النّموذج التكيّفي تعريف المشكلة، ويهتمّ بحلّ المشاكل بدلًا من العثور عليها، كما يسعى هذا النّهج إلى نجاعة أكبر بينما يركّز على الاستمراريّة والاستدامة؛ أمّأ النّهج الثّاني، الأكثر إبداعًا فهو النّموذج الابتكاريّ في حلّ المشاكل الرّياديّة، وهو يستخدم تقنيات غير معروفة في السّوق تثمر عن تفوّق المنظّمة.

إن أسلوب حلّ المشاكل ابتكاريًّا يتحدّى تعريف المشكلة، ويكتشف المشاكل، وسبل حلّها، كما يتحدّى الافتراضات القائمة، فهو باختصار يقوم بالأشياء بطريقة مختلفة، إذ يستعمل التّفكير خارج الصّندوق، ويبحث عن حلول جديدة، والجِدّةُ سمة مشتركة في ريادة الأعمال الإبداعيّة، وهي ما يدفع روّاد الأعمال نحو هذه الطّريقة في حلّ المشاكل، وحسب د. شون م باول المحاضر بجامعة Wollongong في أستراليا: “يتميّز روّاد الأعمال المبدعون بأسلوب إداريّ مميّز يعتمد على الحدس، وعدم الرّسميّة، واتّخاذ القرارات السّريعة، في حين أنّ أساليب التّفكير الأكثر تقليديّة ليست متوافقة مع الخصائص الفريدة لروّاد الأعمال المبدعين.”، وطريقة حل المشاكل هذه لا تغير من المنتج، بل تخلق شيئًا جديدًا تمامًا.

عُرّفت مرافق الرّعاية الصحيّة على سبيل المثال بأنّها مصدر للمكوّرات العنقوديّة الذّهبيّة المقاومة للميثيسيلين (MRSA)، وهي عدوى مميتة يمكن أن يكون لها آثار طويلة المدى على المرضى، لذا طوّرت شركة Vital Vio الّتي يقودها كولين كوستيلو تكنولوجيا الضّوء الأبيض الّتي تطهّر بفعالية المرافق الصحيّة باستهداف جزيء محدّد في البكتيريا، ويمكن لهذا الضّوء الآمن تمامًا للبشر أن يضيء باستمرار لقتل البكتيريا المتجدّدة. إنّ نموذج الحلّ التكيّفي في هذه الحالة كان ليسعى إلى تقليل خطر البكتيريا داخل المستشفى، لكنّ Vital Vio طوّرت تقنيةً جديدةً تمامًا للقضاء عليها، وقد سبقتها حلول تكيّفيّة منها عمليّات، وبروتوكولات قائمة للوقاية من البكتيريا، مثل: إجبار الأطبّاء، والممرّضين، ومقدّمي الرّعاية الصّحيّة الآخرين على تنظيف أيديهم بالماء، والصّابون؛ أو فركها بمحلول كحولي قبل، وبعد رعاية المريض، مع فحص بشرة المريض بحثا عن البكتيريا، وتنظيف حجرات المستشفى، والأدوات الطبيّة، وغسل الملابس، وأغطية الأسرّة، وتجفيفها في أدفأ درجات الحرارة الموصى بها.

مهارات حل المشاكل

صحيح أنّ اكتشاف المشاكل يعدّ جزءًا ضروريًّا في العمليّة الرّياديّة، لكنّ التّعامل معها جانب مختلف تمامًا، فبمجرّد أن ينطلق المشروع حتى تنعدم رفاهية رائد الأعمال في تجنبه للمشاكل، فهو غالبًا مسؤول عن حلّها سواء في شركة ناشئة، أو أيّ نوع آخر من النّشاطات التّجاريّة، وثمّة مهارات معيّنة يمتلكها روّاد الأعمال تجعلهم بالأخصّ حلّالي مشاكل جيّدين، ويمكن تفحص هذه المهارات في شّكل 3.6

الشكل 3.6: هذه بعض المهارات الّتي يملكها روّاد الأعمال، وتساعدهم في حلّ المشاكل. حفظ الحقوق: تصميم مسجّل باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت ترخيص CC By 4.0

التفكير النقدي

التّفكير النّقدي هو تحليل معقّد للمشكلة، أو القضيّة؛ بهدف حلّها، أو اتّخاذ قرار بخصوصها، حيث يحلّل رائد الأعمال، وينتزع الطّبقات من المشكلة التي تواجه نشاطه، للعثور على أصلها، ويركّز على قلب المشكلة، ويتقبّل منطقيًّا، وبعقل منفتح اقتراحات حلّها؛ فالتّفكير النّقدي ليس مهمًّا لتطوير الأفكار الرّياديّة وحسب، بل هو من المهارات المطلوبة في التّعليم، والتّوظيف.

انقطعت رائدة الأعمال ريبيكا كانتار عن جامعة هارفارد سنة 2015، لتؤسّس شركتها التّقنيّة النّاشئية Imbellus، والّتي تهدف إلى استبدال سيناريوهات تفاعليّة تختبر مهارات التّفكير النّقدي باختبارات القبول الجامعيّ الموحّدة، مثل الـ SAT، فالكثير من تلك الاختبارات قد يحتوي على أسئلة متعدّدة الاختيارات، تتطلّب الإجابة عليها معرفة مباشرة بالسّؤال، أو المشكلة الرّياضيّة؛ لذا، تسعى كانتار إلى إنشاء اختبارات مهتمّة أكثر بالمقدرة التّحليليّة، والتّفكير الّذي يفيد في عمليّة حلّ المشاكل، وتقول Imbellus إن هدفها “كيف يفكّر النّاس”، وليس فقط ماذا يعرفون، وتستخدم المنصّة المحاكاة لتقييم مستخدميها.

التواصل

مهارات التّواصل هي القدرة على الإيصال الفعاّل للرّسائل إلى متلقٍّ مستهدف، وهي المهارات الّتي يستخدمها روّاد الأعمال لتجميع الموارد لأغراض تقصّي الحلول الّتي تؤدّلي إلى الحلّ الابتكاري للمشاكل، والميزة التّنافسيّة، حيث يسمح التّواصل الجيّد بالارتباط الحرّ في الأفكار بين روّاد الأعمال، والشّركات، ويمكنه توضيح مشكلة، أو رؤية مشتركة، ويسعى للحصول على موافقة أصحاب المصلحة من مختلف الفئات المستهدفة؛ كما تسمح الشّبكات، والتّواصل داخل صناعة ما لرائد الأعمال بالتعرّف على مكانة منظّمة ما في السّوق، والعمل على تشكيل الحلول في كلمات لدفع المنظّمة أبعد من مكانتها الحاليّة، ونعني بتشكيل الحلول في كلمات التّواصل من، وإلى الشّركة/الكيان، ويتضمّن التّواصل الدّاخلي الرّسائل الإلكترونيّة، والنّشرات البريديّة، والعروض، والتّقارير الّتي يمكن أن تحدّد الغايات، والأهداف الإستراتيجيّة؛ ومن ثمّ تقرّر ما أُنجز، وما تبقّى منها، فيبقى الموظّفون على اطّلاع، ويعملوا على حلّ المشاكل المتبقيّة داخل المنظّمة؛ أمّا التّواصل الخارجيّ، فيمكن أن يشمل البيانات الصّحفيّة، والمدوّنات، والمواقع الإلكترونيّة، ووسائل التّواصل الاجتماعي، والخطابات العامّة، والعروض الّتي تشرح حلول الشّركة للمشاكل؛ كما يمكن أن تكون أيضا عروضا للمستثمرين، بما في ذلك خطط الأعمال، والتوقّعات الماليّة.

تمارين التصوّر (أو التّفكير) مثل جلسات العصف الذّهني، وسائل تواصل جيّدة، يمكن أن يستخدمها روّاد الأعمال لتوليد حلول المشاكل، ومن تلك الأدوات أيضًا الهاكاثون، وهو حدث تستضيفه عادةً شركة، أو مؤسّسة تقنيّة، يجمع بين المبرمجين، والعاملين بدرجات أخرى من التخصّص داخل الشّركة، أو المجتمع، أو المنظّمة للتّعاون في مشروع خلال فترة زمنيّة قصيرة؛ ويمكن أن يستمرّ الحدث من أربعة وعشرين ساعة، إلى بضعة أيّام خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويمكن أن يكون الهاكاثون مبادرةً داخليّة على مستوى الشّركة، أو حدثًا خارجيًّا يجمع مساهمي المجتمع معًا، كما يمكن استخدام مخطّط نموذج العمل التّجاري، ونشاطات أخرى داخليًّا، أو خارجيًّا للتعرّف على المشاكل، والعمل تجاه خلق حلّ قابل للتّطبيق.

يعد التّشبيك مظهرًا مهمًّا من مظاهر التّواصل المفيد، فما من طريقة أفضل لتقديم فكرتك، والحصول على التّمويل والموافقة، وتسويقها في شركة ناشئة من بناء شبكة من الأشخاص الرّاغبين في دعم مشروعك، وقد تتكوّن شبكتك من موظّفين محتملين، وعملاء، وأعضاء إدارة، ومستشارين خارجيّين، ومستثمرين، أو مشجّعين، وهم أشخاص يحبّون منتجك دون مصلحة مباشرة؛ وتتضمّن الشّبكات الاجتماعيّة روابط قويّة، وأخرى ضعيفة، وفي هذا السّياق، درس عالم الاجتماع مارك جرانوفيتر تلك الشّبكات في سبعينيّات القرن الماضي، ولا تزال نتائجه مطبّقة إلى اليوم، فإضافة وسائل التّواصل الاجتماعي إلى تعريف الشّبكات الاجتماعيّة. يجعل الرّوابط الضعيفة تسهّل سير المعلومة، وتنظيم المجتمع -حسب مارك-؛ بينما تمثّل الرّوابط القويّة الصّلات القويّة بين الأصدقاء القريبين، وأفراد العائلة، وزملاء العمل المتضامنين، وتتطلّب هذه الرّوابط عملًا أكبر للحفاظ عليها ممّا تتطلّبه الرّوابط الضّعيفة (كما نبيّن في الشّكل 4.6 بخطوط مستقيمة، وأخرى منقّطة)، كما لا تؤدّي الرّوابط القويّة في سياق العمل التّجاري إلى الكثير من الفرص الجديدة، وعلى عكسها تفتح الرّوابط الضّعيفة أبوابا بكونها جسورًا إلى روابط ضعيفة أخرى، في مناطق عمليّة، أو أقسام، يمكن ألاّ تمتلك وصولًا إليها لا بصفة مباشرة، ولا عبر الرّوابط القويّة.

الشكل 4.6: ينتج عن التّشبيك ربط الأفراد الّذين لربّما لم يكونوا ليلتقوا، والّذي قد يساعدون بعضا على حلّ المشاكل. حفظ الحقوق: social media connections networking من “GDJ” / ـ Pixaby، تحت ترخيص CC0

يدرك الكثير من رواد الأعمال الشبّان في الواقع، أنّ الجامعة مكان جيّد لبدء بناء الفرق، ومن بينهم أوليفر آيزكس مؤسّس موقع الآراء الشّهير Amirite.com، الّذي ينسب إليه منذ بدأ ميمات الإنترنت (Memes)، وموطئ قدم لغة الإنترنت، ويتكوّن هذا الموقع من شبكة واسعة من الصّفحات، والشّراكات على فيس بوك، وإنستغرام، تصل إلى 15 مليون مستخدم شهريًّا، ويوصيي آيزكس باسنخدام شبكة الخرّيجين الّذين تعرفهم لبناء فريق عمل، وقاعدة عملاء لمشروعك الخاصّ، لأنّك لا تعرف أبدًا ما إذا كنت تتحدّث إلى موظّف، أو شريك مستقبليّ.

تشارك الأفكار، والموارد أمر عالي القيمة في العمليّة الرّياديّة، والتّواصل مهارة فارقة في حلّ المشاكل، لأنّ المقدرة على تحديد وتأطير المشكلة (تحديد مجال المشكلة) تعد ضروريّةً لمعالجتها، إذ يمكن أن يكون المشكل غامضا جدًّا، أو واسعًا، أو ضيّقًا. ولهذا فالتّواصل للحديث عن المشكلة أمر مهمّ، كما هو الحال بالنّسبة لتوصيل الحلّ.

الحسم

الحسم هو القدرة على اتّخاذ قرار سريع، وفعّال، وعدم السّماح بمرور الكثير من الوقت في العمليّة، فعلى روّاد الأعمال أن يكونوا منتجين، حتّى في مواجهة المخاطرة، وهم يعتمدون عادة على البديهة، وكذا الحقائق الثّابتة عند اتّخاذ القرار، فهم يسألون عن المشكلة الّتي تحتاج حلّا، ثمّ يفكّرون في الحلول، ويأخذون بالحسبان الوسائل اللاّزمة لتطبيق الفكرة، وينبغي أن تكون القرارات مدعومة بالبحث.

يشرح آدم جرانت في كتابه The Originals أنّ مؤسّسي شركة النّظارات واربي باركر Warby Parker بدؤوا شركتهم بينما كانوا طلاّبا جامعيّين، ولم يكونوا يعلمون وقتها عن الصّناعة إلا القليل، ولكنّهم بعد إجراء البحوث المفصّلة، علموا أنّ شركة كبيرة واحدة تسيطر على الصّناعة هي لوكسوتيكا Luxottica، فاستخدموا هذه المعلومات، وغيرها لصقل إستراتيجيّتهم، ونموذج أعمالهم، مركّزين على القيمة، والجودة، والسّهولة بالبيع عبر الإنترنت؛ وحين قرّروا إطلاق الشّركة، كانوا قد فكّروا في كلّ التّفاصيل الرّئيسيّة، لهذا حقّقوا نجاحًا أوليًّا سريعًا، وشركتهم اليوم تمتلك أكثر من 100 متجر تجزئة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وتقدّر بملياري دولار.

الحسم هو دافع التقدّم، وكثيرًا ما يدعو مؤسّس أمازون جيف بيزوس إلى الانتباه لأهميّة الحزم في جميع جوانب مؤسّسته، إذ يؤمن بيزوس أنّ الحسم يمكن أن يؤدّي إلى الابتكار، وهو يدعم القيام باتّخاذا القرارات بعد الحصول على 70% من المعلومات الّتي تحتاجها للقيام بذلك، وقد جاء في خطابه السّنوي 2017 إلى المساهمين: “قد يكون الخطأ أقلّ تكلفةً ممّا تعتقد، في حين أنّ البطء سيكون مكلفا ًبالتّأكيد”.

القدرة على تحليل المعطيات

تحليل المعطيات هو عمليّة دراسة المعلومات، وتشكيلها في هيكل يقود إلى استنتاجات مبتكرة؛ ويعتبر جمع المعطيات، والإحصائيّات شيء؛ أمّا فهمها فشيء آخر تمامًا، وبذلك وحده تستطيع استخدامها لملء احتياج السّوق، أو توقّع توجّه قادم، حيث يعرف المؤسّسون النّاجحون كيف يطرحون الأسئلة حول المعلومات، وكيف يفهمون تلك المعلومات أيضا، وإذا لم يملكوا تلك القدرات، فهم على الأقّل يحسنون جلب الخبراء الّذين يملكونها.

يمكن للشّركة بالإضافة إلى المصادر العامّة للمعلومات، أن تجمع المعطيات من العملاء حين يتفاعلون معها على وسائل التّواصل، أو حين يزورون موقعها، خاصّة إذا أكملوا تعاملًا ببطاقة مصرفيّة، إذ يمكن حينها للشّركة جمع معطياتها الخاصّة حول عملائها، وذلك يتضمّن مواقعهم، وأسماءهم، ونشاطاتهم، وكيف وصلوا إلى الموقع الإلكتروني؛ وتحليل هذه المعطيات يعطي رائد الأعمال فكرة أفضل حول الفئات الجماهيريّة المهتمّة بمشروعه.

يمكن لتحليل المعطيات بطرائق مختلفة في ريادة الأعمال المساعدة في التعرّف على الفرص، وخلقها، وتقييمها. وبما أنّ تحليلات المعطيات تصف ما حدث، ولماذا حدث، وما يمكن أن يحدث مجدّدا في المستقبل؛ فإنّ روّاد الأعمال قادرون على اكتشاف، واستغلال مصادر المعطيات المختلفة للتعرّف على الفرص الجذّابة، وموازنتها، وفي الأعمال التّجارية عامّة، تستخدم التّحليلات لمساعدة المدراء، ورواد الأعمال على كسب نظرة محسّنة حول عمليّات نشاطهم، والمشاريع القادمة، واتّخاذ قرارات أحسن، مبنيّة على الحقائق.

يمكن للتّحليلات أن تكون وصفيّة، توقّعيّة، أو إلزاميّة؛ فأمّا النّوع الأوّل فينطوي على فهم ما حدث، وما يحدث؛ أمّا الثّاني، فيستخدم معطيات الأداء الماضي لتقدير الأداء المستقبليّ؛ وأمّا النّوع الثّالث، فيستخدم نتائج النّوعين الآخرين لاتّخاذ القرارات. ويمكن تطبيق تحليل المعطيات في إدارة علاقات العملاء، وتوجيه النّشاطات الماليّة، والتّسويقيّة، واتّخاذ قرارات التّسعير، وإدارة سلسلة التّوريد، والتّخطيط لاحتياجات الموارد البشريّة، ومهام أخرى في المشروع؛ وبالإضافة إلى التّحليل الإحصائي، والطّرائق الكميّة، والنّماذج الحاسوبيّة للمساعدة في اتّخاذ القرارات؛ تتسارع وتيرة استخدام الشّركات لخوارزميّات الذّكاء الاصطناعي لتحليل المعطيات ،واتّخاذ قرارات سريعة.

فهم الأعمال والصناعة

يحتاج روّاد الأعمال إلى فهم دقيق للأسواق، والصّناعات، وهم في أغلب الأحيان يعملون فعلًا في منظّمات كبيرة حين يلاحظون فرص التطوّر، أو النّقائص في السّوق، إذ يكسب الموظّف فهما عميقا للصّناعة المنخرط بها، وإذا فكّر في حلّ ممكن لمشكلة ما، فيمكن أن يصبح ذلك الحل هو القاعدة الأساسيّة في إنشاء نشاط تجاريّ جديد.

لنأخذ على سبيل المثال وكالة تسويق تستخدم التّسويق التّقليديّ لثلاثين سنة، ولدى هذه الوكالة قائمة زبائن مضمونة، فبدأت مديرة تنفيذيّة في الوكالة بدراسة وسائل التّواصل الاجتماعي، وتحليلها؛ واتّجهت إلى مالك الوكالة قصد تغيير العمليّات، واعتماد وسائل التّواصل الاجتماعي في خدمة الزّبائن، لكنّ المالك رفض، وفي الوقت ذاته بدأ بعض من زبناء الوكالة في المطالبة بخدمات عبر وسائل التّواصل الاجتماعي؛ عندها تقصّت المديرة التّنفيذيّة إمكانّية بدء وكالتها الخاصّة لخدمة هؤلاء الزّبائن، طالما لم يتعارض هذا مع أيّ بنود منافسة في عقدها، وميزتها التّنافسية كانت معرفتها بطريقتي التّسويق، التّقليديّة منها، وتلك المعتمدة على وسائل التّواصل الاجتماعي؛ لاحقًا، بدأت الوكالة الرّئيسيّة تتعثّر لأنّها لم تواكب التطوّر المطلوب، وهكذا قامت المديرة الجريئة بشرائها لكسب العملاء، وخدمة أولئك الّذين يرغبون في الابتعاد عن التّسويق التّقليديّ.

وهذا تقريبا ما حدث مع كيتي ويتكن خرّيجة جامعة ويسكنسن ماديسون، فقد عملت في وكالات تسويق تقليديّ، قبل أن تغادر ذلك الميدان بعد 4 سنوات من تخرّجها من الجامعة، لتشارك في تأسيس شركتها الخاصّة AGW Group، ففي سنة 2009، وبينما كانت ويتكن تتدرّب في وكالة تسويق لا تملك قسم وسائل التّواصل الاجتماعي، رغم درايتها بأنّ وسائل التّواصل الاجتماعي تغيّر كيفيّة تواصل الشّركاء مع العملاء، من خلال تجاربها في الكليّة، ومراقبتها لتوجّهات الصّناعة؛ فقد وسّعت في مشروعها الخاص نطاق التّركيز ليشمل جميع العلامات التّجاريّة الدّاعمة لإدارة كلّ ما هو رقميّ، وتضمّ اليوم وكالة التّواصل التّسويقيّ خاصّتها 15 عاملا، والكثير من الزّبائن المعروفين من HBO (القناة التّلفزيونيّة الأمريكيّة) إلى Red Bull (المشروب المعروف).

الدهاء

الدّهاء، أو الحيلة هي القدرة على اكتشاف حلول ذكيّة لتجاوز العقبات، وتقول شيري كامبل، عالمة النّفس، والمؤلّفة، والمساهمة المتكرّرة في مجلّة Entrepreneur حول مواضيع الأعمال: “لا توجد سيمة أفيَد، ولا أهمّ من الدّهاء في السّعي لتحقيق النّجاح، فالدّهاء عقليّة مفيدة بالأخصّ حين تكون أهدافك المسطّرة صعبة التّحقيق، أو لا يمكنك تصوّر مسار واضح للوصول إلى حيث تريد الذهاب؛ حينها تدفعك عقليّة الدّهاء إلى إيجاد طريقة، فهذه العقليّة تلهمك التّفكير خارج الصّندوق، وتوليد أفكار جديدة، والقدرة على تصوّر كلّ الطّرائق الممكنة لتحقيق ما ترغب به؛ فالدّهاء يحوّلك إلى رائد أعمال مبتكر، مؤسّس، وجريء، ويرفعك درجة فوق الآخرين.”

يبدأ روّاد الأعمال في التّفكير في مشروع تجاريّ، أو شركة ناشئة من خلال الحديث إلى النّاس، والحصول على خبراء للمساعدة في إنشاء، وتمويل، وبدء عمل تجاريّ؛ فروّاد الأعمال أشخاص مجازفون، ومتحمّسون للمغامرات الجديدة، وإذا لم يملكوا شهادات جامعيّة، أو قدرًا كبيرًا من الخبرة، فهم يدركون أنّ ثمّة الكثير من الموارد المتاحة لمساعدتهم في مشروعهم.

نذكر على سبيل المثال، ما وقع في أواخر التّسعينيّات، أين أُتيحت لبيل مكبين، وشريكه بيلي ستيريت فرصة شراء وكالة سيّارات ضعيفة الأداء، من شأنها جعل شركتهما مهيمنة في السّوق، فلم يرغبا في سحب المال من مشاريع أخرى، ولا في استدانة المزيد، وزيادة ارتباطهما بمزيد من الدّيون؛ وقد كان من دهائهما أن عثرا على مسار آخر للحصول على المال الضّروري لتنفيذ الاستحواذ الّذي يتوقان إليه، فغيّرا بنكهما، وتفاوضا مع البنك الجديد لتخفيض متطلّبات إعادة المال، وخفّضا نسبة الفائدة، والرّسوم، والمدفوعات الشّهريّة؛ وهكذا حرّرا مبلغا كافيا من المال سمح لهما بشراء الشّركة الجديدة.

أنواع حلالي المشاكل

يملك روّاد الأعمال شهيّةً مفتوحةً لحلّ المشاكل، وهذه الرّغبة تحمّسهم للبحث عن حلّ حين تحدث فجوة في منتج، أو خدمة؛ فهم يتعرّفون على الفرص، ويستغلّونها؛ لكنّهم في حلولهم أنواع: فثمّة المنظّمون الذّاتيّون، والمنظّرون، والملتمسون.

حلالو المشاكل ذاتيو التنظيم

المنظّمون الذّاتيّون في حلّ المشاكل، هم أشخاص مستقلّون، يعملون بأنفسهم دون تأثير خارجي، ويمتلكون القدرة على رؤية المشكلة، وتصوّر حلّ ممكن لها، والسّعي لابتكار ذلك الحلّ -كما يبدو في الشّكل 6.6-؛ وقد يكون الحلّ مخاطرة، لكنّ حلّال المشاكل ذاتيّ التّنظيم، فهو يتعرّف على المخاطرة، ويقيّمها، ويخفّف منها. فإذا قام رائد أعمال ببرمجة عمليّة حاسوبيّة لزبون ما، لكنّه أثناء تجريبها اكتشف خطأً قد يدفع البرنامج إلى الوقوع في حلقة مفرغة؛ فبدل انتظار عثور العميل على الخطأ، يسارع رائد الأعمال إلى البحث عن الخطأ في البرمجة، ويعدّله، ثمّ يسلّم البرنامج المصحّح إلى العميل؛ فهناك تحليل فوريّ، وتصحيح فوريّ، وتنفيذ فوريّ؛ وأكبر الميزات التّنافسيّة لدى حلاّلي المشاكل ذاتيّي التّنظيم هي السّرعة الّتي يكتشفون بها حلول المشاكل، ويوفرّونها.

الشكل 6.6: يتعرّف حلّال المشاكل ذاتيّ التّنظيم على المشكلة، ويفكّر في الحلّ، ثمّ ينفّذه. حفظ الحقوق: تصميم مسجّل باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت ترخيص CC BY 4.0

حلالو المشاكل المنظرون

يرى الحلّالون المنظّرون المشكلة، ويبدؤون بالتّفكير في مسار لحلّها اعتمادًا على نظريّة ما، فهم يحلّون المشاكل حلًاّ عمليًّا، ومنهجيًّا؛ فبينما يبدأ المدراء العاديون بملاحظة المشكلة، والتركيز على النتيجة النهائية، دون الاهتمام بوسائل الوصول؛ يرى روّاد الأعمال المشكلة، ويبدؤون في رسم مسار باستخدام ما هو معروف في نظريّة توصلهم إلى النّتيجة النّهائيّة. بمنعنى أنّ رائد الأعمال يعبر الخطوات لحلّ المشكلة، ثمّ يبني على النّجاحات، ويرفض الإخفاقات، ويعمل نحو الحلّ بالتّجريب، والبناء على النّتائج المعروفة؛ فربّما لا يعرف رائد الأعمال عند تلك النّقطة ما هي النّتيجة النّهائيّة، لكلّ الحل سيظهر بينما يجري تجاري نحوه، ويظهر الشّكل 6.7 هذا.

إذا اعتبرنا مثلًا أنّ ماري كيوري كانت رائدة أعمال؛ فإنّها عملت نحو عزل عنصر، وبينما فشلت مقاربات مختلفة في عزله، سجّلت ماري الإخفاقات، وجرّبت حلولًا ممكنةً أخرى، وقد أظهرت نظريّاتها الفاشلة أخيرًا النّتيجة النّهائيّة لعزل عنصر الرّاديون؛ ومثل كيوري، يستخدم المنظّرون التّحليلات، والتّصحيحات، وعمليّات التنفيذ، المأخوذة جميعها بعين الاعتبار؛ وحين يكون الوقت مهمّا؛ فإنّ على روّاد الأعمال فهم أنّ التّجريب المتواصل يبطئ عمليّة حلّ المشكلة.

الشكل 6.6: يتعرّف حلّال المشاكل المنظّر على المشكلة، ويضع نظريّةً، بالتكرار أحيانًا، ثمّ يصل أخيرًا إلى الحلّ. حفظ الحقوق: تصميم مسجّل باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت ترخيص CC BY 4.0

حلالو المشاكل الملتمسون

يرى هؤلاء مشكلةً، ويطلبون من الآخرين أفكارًا لحلّها، إذ يفضّل رائد الأعمال من هذا النّوع استشارة شخص خاض التّجربة من قبل، وربّما يفضّل أيضًا حلّ المشكلة في وسط فريق، ويضمن التماس مداخلات الفريق الرّيادي أنّ رائد الأعمال على مسار يحرّكه توافق الآراء، ويستغرق هذا النّوع من حلّ المشكلات وقتًا أطول؛ لأنّ صاحب المشروع لابدّ أن يشارك في عمليّة تساهميّة تمنح جميع الأعضاء فرصة المشاركة، وتتضمّن العمليّة اكتشاف بدائل للحلّ النّهائي، وفي عمليّة صنع القرار المنظّماتية على سبيل المثال، تكون الشّموليّة مقياسًا لمدى محاولة الشّركة أن تكون محتويةً، أو شاملةً في صنع قراراتها، ويمكن ملاحظة الشّموليّة في عدد اللّقاءات المبرمجة، والعمليّة الّتي تجمع من خلالها الشّركة المعلومات، وعمليّة الحصول على المدخلات من المصادر الخارجيّة، وعدد الموظّفين المعنيّين، واستخدام الاستشاريّين المتخصّصين، والخبرة الوظيفيّة للأشخاص المعنيّين، وسنوات مراجعة البيانات التّاريخيّة، وإسناد المسؤوليّة الأساسيّة، وعوامل أخرى؛ ولذا فإنّ صنع القرار الشّامل مثال عن أسلوب حلّ المشاكل الالتماسيّ، فهو يبحث عن المدخلات من عدد كبير من أفراد الفريق.

المحاكاة مثال آخر يستخدم أسلوب الالتماس لحلّ المشاكل، وهي اجتماع لحلّ النّزاعات، وتحديد الحلول؛ ويمكن أن يعقد مطوّر مشروع جديد محاكاة مجتمعيّة للمساعدة في تصميم المشروع، على أمل الحصول على موافقة المسؤولين المنتخبين، وفي مثال المبنى، يمكن أن يتكوّن هذا من المطوّر، وفريقه؛ من المهندسين المعماريّين، ومصمّي المشروع، والأشخاص ذوي الخبرة في المشروع، الّذين يعملون جنبًا إلى جنب مع أعضاء المجتمع، أو المديرين التّنفيذيّين، أو المسؤولين المنتخبين، أو الممثّلين، مثل: الموظّفين، أو المجالس المعيّنة من قبل المواطنين؛ مثل مجلس التّخطيط، فهذا النّشاط يمثّل مقاربةً لحلّ مشكلة بالالتماس.

الشكل 6.6: يتعرّف حلّال المشاكل بالالتماس على المشكلة، ويناقشها مع الآخرين، ويصل إلى حلّ يوافقون عليه. حفظ الحقوق: تصميم مسجّل باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت ترخيص CC BY 4.0

باختصار، لا يوجد أسلوب صحيح، أو خاطئ لحلّ المشاكل؛ بل يجب أن يعتمد كلّ حلاّل مشاكل على الغرائز الّتي تدفع الابتكار لديه دفعًا أفضل، وزيادة على ذلك، فعليه أن يدرك أنّ طرق حلّ المشاكل المختلفة لا تعمل كلّها في كلّ موقف، لذا فيجب عليه الاستعداد لتكييف تفضيلاته الخاصّة مع الموقف، لرفع الكفاءة إلى أقصى حدّ، وضمان العثور على حلّ فعّال؛ فقد تمنع محاولة فرض أسلوب حلّ مشاكل معيّن من إيجاد المنظّمة للحلّ الأفضل، وبينما ينبغي استخدام مهارات حلّ المشاكل العامّة في ريادة الأعمال، مثل: التّفكير النّقدي، والحسم، والتّواصل، وتحليل البيانات؛ في رحلتك الرّياديّة، وحياتك على حدّ سواء؛ إلّا أنّ مهارات حلّ المشاكل الأخرى، والمقاربات الّتي تتّبعها تعتمد على المشكلة عند ظهورها.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Problem Solving and Need Recognition Techniques) من كتاب Entrepreneurship

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *