كيفية بناء الهيكليات المؤسسية وتقسيم العمل

يركّزُ هذا الباب من سلسلة مقالات مدخل إلى عالم الأعمال على الأنواع المختلفة للهيكلية المؤسسية، وعلى الأسباب التي قد تدفع مؤسسةً ما إلى تفضيل هيكليةٍ ما على أخرى، وكيف يؤثرُ اختيارُ هيكليةٍ مؤسسية ما على نجاح المؤسسة.

وفي ظل بيئة الأعمال المرنة، والحيوية السائدة في وقتنا الحالي، ينبغي تصميمُ الهياكل التنظيمية بما يُمَكِّنُ المؤسساتِ من الاستجابة سريعًا للأخطار التنافسية الجديدة، واحتياجات الزبائن المتغيِّرة، إذ يعتمد النجاحُ المستقبلي للشركات على مرونتها، وقدرتها على الاستجابة لاحتياجاتهم.

وفي هذا المقال سنبحث بدايةً في كيفية بناء المؤسسات لهياكلها التنظيمية، وذلك عبر تطبيق الهيكليات التنظيمية التقليدية، أو المعاصرة.

كيفية بناء الهيكليات المؤسسية

ما هي الأشكال التقليدية لهيكلية المؤسسة؟

تتضمن الوظائف الأساسية التي يؤديها المديرون كُلًا من التخطيط، والتنظيم، والرقابة، ويركّز هذا الباب تركيزًا خاصًّا على وظيفة التنظيم، التي تتضمن تنسيقَ موارد الشركات، وتوزيعها، بما يُمكِّنِها من تنفيذ خططها، وتحقيق أهدافها، ويجري تطبيقُ عملية التنظيم تلك، أو الهيكلة، من خلال ما يأتي:

تحديد أنشطة العمل، وتقسيم المهام (تقسيم العمل).

تجميع الأعمال، والموظفين (التشعيب).

إسناد السلطة، والمسؤوليات (التفويض).

وينتج عن عملية التنظيم هيكليةٌ رسمية ضمن عملية تنظيم، أو مؤسسة (Organization) محددة، والتنظيم هو ترتيبُ العلاقاتِ وتصميمُها ضمن المؤسسة، وتتألف المؤسسة من شخصين، أو أكثر يعملون معًا لهدفٍ واحد، وواضح، ولدى المؤسساتِ الرسمية -أيضًا- تسلسلٌ إداري للسلطة، وقنواتٌ لتدفُّقِ المعلومات، ووسائل للرقابة، محددة جميعُها تحديدًا كافيًا، ويجري الوصلُ بشكلٍ مقصود بين الموارد البشرية، والمادية، والمالية، والمعلوماتية، لتكوين مؤسسة الأعمال التجارية، وتتصف بعض تلك الصِّلات بطول الأمد، ومنها على سبيل المثال: الصلات بين الأشخاص العاملين في القسم المالي ضمن المؤسسة، أو قسم التسويق، وبالمقابل، يمكن لصلاتٍ أخرى أن تتغير في أي وقتٍ تقريبًا، ومن الأمثلة عليها: عندما تُشكَّلُ لجنةٌ ما لدراسة مشكلةٍ معينة، ولدى كلِّ مؤسسةٍ نوعٌ ما من الهيكلية الضمنية، وعادةً ما تبني المؤسساتُ أُطُرَ العمل لديها على النهج التقليدي، أوِ المعاصر، أو المُقسَّم إلى فِرَق عمل، وتتّسم الهيكلياتُ التقليدية بكونها أكثر جمودًا، وبأنها تُجمِّعِ الموظفين وفقًا لوظائفهم، ومنتجاتهم، وعملياتهم الإنتاجية، وزبائنهم، أو مناطقهم، أما الهيكليات المعاصِرة، أو القائمة على التقسيم إلى فِرَقِ عمل، فتتصف بأنها أكثر مرونةً، وتُجمِّعِ الموظفين بهدفِ الاستجابة -سريعًا- لبيئات الأعمال التجارية الحرة والمرنة، وبصرف النظر عن إطار العمل الهيكلي الذي تختارُ شركةٌ ما تطبيقَه، فعلى جميع المديرين التفكيرُ -بدايةً- في نوعِ العمل الذي يحتاج إلى الإنجاز أولًا ضمن الشركة.

الصورة 7.3 تأسست شركة البيع بالتجزئة السويدية إيكيا (IKEA) في العام 1943، وتطوَّرت من مشروعٍ صغير لإرسال الطلبات بالبريد إلى شركةٍ ذات ثقل عالمي في مجال الأثاث المنزلي لأكثر من 390 متجرٍ على امتداد أوروبا، وأمريكا الشمالية، وإفريقيا، وأستراليا، وآسيا. تشتهر هذه الشركة بتصاميم الأثاث المعاصرة، وحفلات افتتاح المحلات المزدحمة، والإعلانات الغريبة، وتتألف مجموعة إيكيا من أقسام متعددة، متوافقة مع وظائف الشركة المتعلقة بالبيع بالتجزئة، وسلسلة الإمداد، والمبيعات، والتصميم، والتصنيع. (حقوق الصورة محفوظة لـ : جي جي بيرس (JJBers) / فليكر (Flickr)).

تقسيم العمل

يُطلَقُ لفظُ تقسيم العمل للدلالة على عملية تجزئة العمل إلى أعمال منفصلة، وإسنادِ المهام إلى العمال، ففي مطعمٍ للوجباتِ السريعة على سبيل المثال، يتلقى بعضُ الموظفين طلبات الزبائن، بينما يحضِّرُ آخرون الطعامَ، ويتولى غيرُهم مهمةَ التنظيف، والحفاظ على التجهيزات، ويُشرِف عليهم جميعًا موظفٌ واحد على الأقل. وفي مصانع التجميع الآلي، يتولى بعضُ العمال تركيب المرايا الخلفية للسيارات، بينما يرفعُ آخرون مصدّ السيارة إلى الحامِل الذي يُركَّب عليه.

ويُطلَق لفظ التخصص على الدرجة التي تُقسَّمُ المهامُ بموجبها إلى أعمال أصغر، فالعمال الذين يمارسون أعمالًا عالية التخصص، مثل عمال خطوط التجميع في المصانع، ينفِّذون مهامَّ ذات عددٍ، وتنوّعٍ محدودَين، أما الذين يتخصصون في مهمة واحدة، أو في عدد قليل من المهام، فيطوِّرون مهارةً أكبر في إنجاز ذلك العمل بالتحديد، ويمكن أن يؤديَ ذلك إلى فاعلية، واتساقٍ أكبر في الإنتاج، وأنشطة العمل الأخرى، وعلى الرغم من ذلك، فقد يؤدي بلوغُ الموظفين درجةً عالية من التخصص، إلى شعورهم بالملل، أو فقدان الاهتمام، بسبب غياب التنوع، والتحديات اللذَين يجعلان العملَ ممتعًا.

الهيكليات التقليدية

بعد أن تُقسِّمَ الشركةُ العملَ الذي عليها إنجازُه إلى أعمال محددة، يتولى المديرون تجميعَ الأعمال بما يُمكِّنُ من تنسيق المهام، والأنشطة المتشابهة، ويسمى هذا التجميع للأشخاص، والمهام، والموارد ضمن وحداتٍ مؤسسية -تشعيبًا (Departmentalization) (التقسيم إلى شُعَب، أو مجموعات)، ويسهِّلُ ذلك عمليةَ التخطيط، والقيادة، والرقابة.

أما المخطط التنظيمي للمؤسسة، فهو تمثيلٌ بصريّ للعلاقات التي جرت هيكلتُها بين المهام، والأشخاص المفوضين بإنجازها، وفي المخطط التنظيمي الذي يظهر في الصورة 7.4، يمثِّلُ كلُّ شكلٍ عملًا واحدًا، ويتضمن كلُ عملٍ مهام عديدة، فعلى مدير المبيعات مثلًا توظيف بائعين (موظفي مبيعات)، وإنشاءُ مناطقِ مبيعات، وتحفيز موظفي المبيعات، وتدريبهم، وممارسة رقابة على عمليات المبيعات، كما يشير ذلك المخطط إلى النوع العام للعمل الذي يُنجَز في كل منصب، ومثلما تُظهِر الصورة 7.5، فهناك خمسة أنواع أساسية من التشعيب شائعة الاستخدام في المؤسسات:

التشعيب على أساس الوظيفة: يقوم التشعيب على أساس الوظيفة، على المهام الأساسية التي تُنجَز ضمن وحدةٍ مؤسسية (تسويق، تمويل، إنتاج، مبيعات…إلخ). فشركة إيثان آلين إنتيريورز (Ethan Allen Interiors) مثلًا -وهي شركة تصنيع أثاث منزلي متكاملة رأسيًا -تتابع تشعيبها الوظيفي الناجح، بما في ذلك البيع بالتجزئة، والتصنيع، والاستعانة بالموارد، والأمور اللوجستية، والعمليات الإنتاجية، والتي تتضمن ضوابطَ مالية مشددة.

الصورة 7.4: مخطط تنظيمي لشركة تصنيع أجهزة نموذجية

الصورة 7.5: خمس طرق تقليدية للتنظيم

التشعيب على أساس المُنتَج: يقوم هذا التشعيب على أساس السلع، والخدمات التي تنتجها، أو تبيعها، الوحدة المؤسسية (مثل العيادات الخارجية/ خدمات الطوارئ، وقسم طب الأطفال، وقسم طب القلب، وقسم جراحة العظام). فشركة آي تي تي (ITT) مثلًا: هي شركةُ تصنيعٍ ذاتُ تنوُّعٍ، رائدةٌ في مجال صناعة المكوّنات عالية الهندسة، وحلول التقنيات المخصصة لقطاعات النقل، والصناعة، وأسواق الغاز، والنفط، وهي مقسَّمةٌ إلى أربعة أقسام، على أساس المنتجات التي تقدّمها، وهي: عملية صناعية: مضخات، وصمّامات، وأجهزة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وتقنيات تحكم: منتجات التحكم في الحركة، وعزل الاهتزاز، وتقنيات الحركة: ممتصات صدمات، ودواسات فرامل، ومواد احتكاك، وحلول التوصيل الكهربائي، والضوئي: موصِّلات لمجموعة متنوعة من الأسواق.

التشعيب على أساس العملية الإنتاجية: يقوم هذا النوع على أساس عملية الإنتاج، التي تستخدمها الوحدة المؤسسية مثل: تقطيع الخشب ومعالجته، وتشطيبات الأثاث المنزلي، والشحن. وتتضمن الأنشطة التي على شركة غازبروم نفط (Gazprom Ne) على سبيل المثال، تنفيذها لاستخراج النفط من باطن الأرض، ومن ثم تحويله إلى منتجٍ نهائي، -الاستكشاف والبحث، والإنتاج (الحَفر)، والتكرير، والتسويق، والتوزيع. أما شركة أفلام الرسوم المتحركة بيكسار (Pixar)، التي باتت اليوم جزءًا من شركة ديزني (Disney)، فمقسَّمة إلى ثلاث مجموعات متوزاية، وتفاعلية قائمة على أساس العملية الإنتاجية، وتلك المجموعات هي:

مجموعة التطوير التقني: وهي مجموعةٌ تقدّم أدواتِ رسوماتٍ حاسوبية.

ومجموعة التطوير الإبداعي: وهي التي تؤلف قصصًا، وشخصياتٍ، وتعرضها في شكل أفلامِ رسوم متحركة.

وأخيرًا مجموعة الإنتاج: وهي التي تنسِّق عمليةَ إنتاج الأفلام.

التشعيب على أساس الزبائن: ويقوم هذا التشعيب على أساس النوع الرئيس للزبائن، الذين توجه إليهم المؤسسةُ خدماتها، وسلعها مثل: المشترين بالجملة، أو بالتجزئة، فمجموعة بي إن سي للخدمات المالية (PNC Financial Services Group) تقدم طيفًا واسعًا من الخدمات لزبائنها كافة، وتقوم هيكليتها على أساس نوع الزبائن الذين تقدم لهم خدماتها، وهي: الخدمات المصرفية للأفراد الموجّهة لزبائنها؛ ومجموعة إدارة أصول، مع تركيزٍ خاص على الأفراد؛ إضافةً إلى الشركات، والاتحادات، والبلديات، وغيرها من أطراف، والخدمات المصرفية للشركات، والمؤسسات الموجهة إلى الشركات متوسطة الحجم، وذلك على امتداد أراضي الولايات المتحدة الأمريكية.

.addtional__paragraph {
border: 3px solid #f5f5f5;
margin: 20px 0 14px;
position: relative;
display: block;
padding: 25px 30px;
}

الأخلاق مطبقة

قائمة أطعمة شركة “بانيرا” النظيفة

من شأن إحداث تغيير في الفلسفة العامة لشركة ما، وفي الطريقة التي تمارس فيها العمل التجاري، أن يؤثر في مفاصل الهيكلية المؤسسية للشركة كلها، وعندما يتعلق ذلك التغيير بالاستدامة، و”الطعام النظيف”، فقد قبلت شركة صناعة الخبز المسماة بانيرا (Panera) التحدي منذ عَقدٍ من الزمان، وبات لديها اليوم قائمة خالية من المواد الحافظة، والمُحلِّيات، والملوِّنات، والمُنكِّهات الصناعية. في العام 2015، أعلنَ مؤسس شركة بانيرا ورئيسُها التنفيذي، رون شيتش (Ron Shaich)، عن المكوِّنات الممنوع استخدامُها في قائمة الطعام الخاصة بشركته، البالغ عددُها حوالي 100 عنصر، والتي تعهَّدَ بأنه سيلغي استخدامها، أو لن يستخدمها مجددًا في تلك القائمة، وبعد مضي سنتين من ذلك، أعلنتِ الشركةُ أنَّ قائمة الطعام الخاصة بها “نظيفة بنسبة 100%”، وأنَّ تحقيق ذلك لم يكُن سهلًا أبدًا.

فقد كرَّست شركةُ بانيرا آلاف ساعات العمل لمراجعة المكونات التي تستخدمها في قائمة طعامها، والبالغ عددُها 450 عنصرًا، وانتهت إلى إعادة صياغة ما يزيد على 120 من مكوّنات الطعام تلك، بهدف استبعاد المكونات الصناعية استبعادًا كاملًا، وحالما انتهى الفريقُ القائم على تلك العملية من تحديد المكونات الغذائية “غير النظيفة، أو الصناعية”، عمل مع البائعين التابعين للشركة البالغ عددهم 300 شخص، وفي بعض الأحيان مع الموزعين لأولئك البائعين، لإعادة صياغة المكونات، وجعلها خالية من أي مواد حافظة، فعلى سبيل المثال: قام فريقُ العمل في تلك الشركة بستين عملية تنقيح للوصفة المخصصة لتحضير حساء البروكلي بجبنة شيدر، التي تشتَهَر بها الشركة، لإزالة أي مكوناتٍ صناعيةٍ منها مع الحرص على ألا تفقد مذاقها، وقوامها المعهودَين.

ووفقًا لمؤسس الشركة، ورئيسها التنفيذي، رون شيتش، فقد تركَّز نهجُ التجربة، والخطأ (Trial and Error Approach) المُتَّبع في تلك العملية على إيجاد التوازن الصحيح بين الحليب، والكريمة، والمستحلَبات، مثل خردل ديجون (Dijon Mustard)، لاستبدال فوسفات الصوديوم (وهو أحد المكونات المُستبعَدة من قائمة طعام شركة بانيرا)، مع المحافظة على قوام الحساء كثيفًا، وقد أنتجت شركةُ بانيرا جبنة شيدر جديدة لاستخدامها في ذلك الحساء، كما استخدمَتْ خردل ديجون يحتوي على خَلٍّ غيرِ محفوظ بوصفه بديلًا من فوسفات الصوديوم، وهو أحد المكونات الأخرى التي منعتِ الشركةُ استخدامها.

وترى سارة برنيت (Sara Burnett)، وهي مديرة سياسة الصحة، والغذاء في شركة بانيرا، أنَّ مسؤولية الشركة لا تقف عند حدود خدمة زبائنها، بل تتعداها إلى قدرة الشركةَ على إحداثِ تغييرٍ عبر رفعِ صوتها، والاستفادة من قوتها الشرائية، للتأثير إيجابيًا على النظام الغذائي برمَّته، كما أنَّ الجهودَ المُضنية التي بذلتها تلك الشركة، بهدف إزالة المكونات الصناعية من قائمة الطعام التي تقدِّمها للزبائن، أتاحت لها المجال لإلقاء نظرةٍ أكثر عمقًا على سلسلة الإمدادات الخاصة بها، وسواها من عمليات، واستطاعت تلك الشركةُ تبسيطَها باستخدام مكوناتٍ أفضل. وما تزال شركة بانيرا غيرَ راضيةًٍ تمامًا عن مدى التزامها بنظافة الطعام؛ فقد أعلنت سلسلة التوريد الخاصة بها عن هدفها في الحصول على بيضٍ من دجاجاتٍ غير محبوسة ضمن أقفاص، لصالح المقاهي التي تقدم منتجاتها بحلول العام 2020.

أسئلة التفكير الناقد:

كيف يوفِّرُ نهجُ شركة بانيرا الهادف إلى تقديم طعامٍ نظيف، ميزة تنافسية لها؟

ما نوع التأثير الذي يُحدِثُهُ التزامُ شركة بانيرا بالطعام الخالي من المواد الحافظة على هيكلها المؤسسي؟

هل تُشكِّلُ سياسةُ “الطعامُ النظيف” ضغطًا إضافيًا على شركة بانيرا، والبائعين التابعين لها؟ اشرح الاستنتاج الذي توصلتَ إليه.

التشعيب على أساسٍ جغرافي: يقوم هذا التشعيب على أساس التقسيم الجغرافي للوحدات المؤسسية مثل: التسويق في الولايات المتحدة، والتسويق في كندا، والتسويق في أمريكا اللاتينية.

يُكلَّف الأشخاصُ بالعمل في وحداتٍ مؤسسية محددة، لأنهم ينفّذون مهامَ متشابهة، أو ذات ارتباطٍ فيما بينها، أو لأنهم مسؤولون مسؤولية مشتركة عن مُنتَجٍ، أو زبونٍ، أو سوقٍ ما، وتؤثّرُ القراراتُ الخاصةُ بالكيفية التي يجري فيها التشعيب (التقسيم إلى فِرَق أو مجموعاتِ عمل) في الطريقة التي تُسنِدُ فيها الإدارةُ السلطةَ، وتوزِّعُ المواردَ، وتُكافِئُ على الإنجاز، وفي كيفية تحديدها لقنواتِ التواصل عبر التسلسل الإداري، وتَستخدِمُ شركات الكبرى عديدة أنماطًا متنوعة من التشعيب؛ فعلى سبيل المثال: تدمج شركة المنتجات الاستهلاكية التي تُساوي مليارات الدولارات، بروكتر وغامبل (Procter & Gamble)، بين أربعة الأنواع المختلفة من التشعيب، التي يطلق عليها تسمية “الركائز الأربع” وهي:

الركيزة الأولى: تُقسِّمُ وحداتُ الأعمال التجارية العالمية (GBU) الشركةَ وفقًا للمنتَج: منتجات العناية بالطفل، والأنوثة، والأُسرة، والجمال، والعناية بالقماش، والمنزل، والصحة، والتزيين.

الركيزة الثانية: تستخدم شركة بروكتر وغامبل نهجًا جغرافيًا، إذ تنشئ وحداتِ أعمالٍ تجارية لتسويق منتجاتها حول العالم، وهناك مجموعاتٌ مخصصة لعمليات البيع والتسويق (SMO) في أمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، وآسيا، والمحيط الهادئ، ومنطقة الصين الكبرى، والهند، والشرق الأوسط، وأفريقيا.

أما الركيزة الثالثة لشركة بروكتر وغاميل، فتشمل القسم الخاص بوحدات الخدمات التجارية العالمية (GBS) الذي يطبق-أيضًا- التشعيب الجغرافي.

الركيزة الرابعة: تستخدم وحدات الخدمات التجارية العالمية (GBS) عملياتٍ تقنية، وأدوتِ بياناتٍ معيارية، لتمكين وحدات الخدمات التجارية العالمية (GBUs)، ومجموعات عمليات البيع والتسويق (SMOs) من فهمٍ أفضل للعمل التجاري، ومن تقديم خدمة أفضل للزبائن، والمستهلكين، إنها تدعم وحدات الأعمال التجارية التابعة لشركة بروكتر وغامبل في مجال المحاسبة، والإبلاغ المالي، وتقنية المعلومات، وعمليات الشراء، وإدارة الرواتب، والفوائد، وتُسهِّل الإدارة، وأخيرًا، توفر أقسامُ ركيزة الوظائف المؤسسية (Corporate Functions pillar) شبكةً آمنة للشبكات الأخرى على وجه العموم، وتتألف تلك الأقسام من تخصصاتٍ وظيفية مثل: تطوير العمل التجاري الاستهلاكي، والعلاقات الخارجية، والموارد البشرية، والمعرفة القانونية، والتسويقية، والاستهلاكية، والخاصة بالسوق؛ والبحث والتطوير، وخدمات أماكن العمل.

التنظيم التنفيذي، والاستشاري

يُصمَّمُ التنظيم التنفيذي ذو التسلسل الإداري، وفقًا لمساراتِ تواصلٍ، وسلطةٍ مباشرة، ومحددة بوضوح، فيبدأ من مديري الإدارة ذوي المناصب العليا، نزولًا إلى أصغر الموظفين في الهرم الإداري. وللمديرين في هذا الشكل الإداري سيطرةٌ مباشرة على الأنشطة كافة، بما في ذلك الواجبات الإدارية، كما يُظهِرُ مخططٌ تنظيميٌّ لهذا النوع من الهيكليات الإدارية، أنّ مناصب الشركة كافة، متصلة ببعضها عبر خطٍّ وهمي يمتد من أعلى منصب في المؤسسة إلى أدناها؛ حيثُ تُنتَجُ السلع، وتُقدَّمُ الخدمات، وغالبًا ما تُعَدُّ هذه الهيكليةُ، ذاتُ التصميم البسيط، والسيطرة الواسعة من قبل المديرين، مناسِبةً للشركات الصغيرة، والريادية.

ومع نمو الشركة، وتعقيدها التدريجي، يمكن تعزيز التنظيم التنفيذي للمؤسسة، بإضافة مناصب استشارية إلى التصميم، والتي تقدم خدمات مشورة، ودعم للمديرين في التنظيم التنفيذي؛ الذي لا يبقى تنظيمًا تنفيذيًا فحسب، بل تنفيذيًا، واستشاريًا في آنٍ واحدٍ، مثلما تُظهِر الصورة 7.6. وفي العمليات اليومية للشركة، ينخرط الأفراد الذين في المناصب التنفيذية انخراطًا مباشرًا في العمليات الخاصة بإنتاج السلع، وتقديم الخدمات، أما من هم في المناصب الاستشارية، فيقدمون الخدمات الإدارية، وخدمات الدعم التي يحتاج إليها الموظفون التنفيذيون لتحقيق أهداف الشركة، وترتبط المناصب التنفيذية في المؤسسة -عادةً- بمجالاتٍ مثل الإنتاج، والتسويق، والتمويل، أما المناصب الاستشارية، فتتعلق بمجالات مثل: الاستشارة القانونية، والإدارية، والعلاقات العامة، وإدارة الموارد البشرية.

الصورة 7.6: التنظيم التنفيذي، والاستشاري.

الهيكليات المعاصرة

ما هي الهيكليات المؤسسية المعاصرة التي تستخدمها الشركات؟

على الرغم من أنَّ الأشكال التقليدية للتشعيب ما تزال تمثّل آلية تنظيم عمل المؤسسات، إلا أن هناك أشكالًا جديدة، وأكثر مرونة من الهيكليات التي تستخدمها اليوم شركات عديدة، فلنلقِ نظرة على الهيكلية المصفوفية (matrix structure) وهيكلية اللجنة (committee structure)، وكيف يساعد نوعا الهيكليات هذان، الشركاتِ على تعزيز المهارات المتنوعة لموظفيها.

الهيكلية المصفوفية

تُستخدَم الهيكلية المصفوفية (والمعروفة -أيضًا- باسم نهج إدارة المشاريع) -أحيانًا- بالتوازي مع الهيكلية التقليدية التنفيذية، والاستشارية (line-and-staff structure) في مؤسسةٍ ما، وبشكل أساس، تجمعُ الهيكلية المصفوفية بين شكلين من أشكال التشعيب، وهما: التشعيب على أساس الوظيفة، والتشعيب على أساس المُنتَج، اللذين لهما نقاط قوةٍ، وضعف يكمل بعضها الآخر، وتجمع الهيكليةُ المصفوفية بين أشخاصٍ من تخصصاتٍ وظيفيةٍ مختلفة، ضمن المؤسسة مثل: التصنيع، والتمويل، والتسويق، لغرض العمل على مشروعٍ خاص، ولكل موظفٍ مشرفان مباشران، هما: المدير التنفيذي (مدير الموظفين) ضمن الاختصاص الوظيفي المحدد لذلك الموظف، ومدير المشروع. وتُظهِر الصورة 7.7 تنظيمًا مصفوفيًا بأربع مجموعاتِ مشاريع خاصة (A, B, C, D)، مع مدير مشروع خاص بكل مجموعة، وبسبب سلسلة القيادة الثنائية في الهيكلية المصفوفية، فإنها تمثل تحدياتٍ فريدة لكل من المديرين، والمرؤوسين.

الصورة 7.7: الهيكلية المصفوفية.

وتتمتع الهيكلية المصفوفية بالمزايا الآتية:

العمل الجماعي: فبفضل تجميع مهارات اختصاصيين متعددين، وإمكاناتهم، يمكن للشركة زيادة الإبداعِ، والابتكار، والتعامل مع مهام أكثر تعقيدًا.

كفاءة في استخدام الموارد: لا يستخدمُ مديرو المشاريع سوى أفراد الفريق الوظيفي اللازم لإنجاز العمل، وذلك بدلًا من تشكيل مجموعات كبيرة الحجم من الموظفين الذين لا يمارسون أعمالًا كثيرة.

المرونة: تتميز هيكلية المشروع في الهيكلية المصفوفية بالمرونة، ويمكنها التكيّف بسرعة مع التغيرات التي تطرأ على البيئة؛ إذ يمكن حلُّ الجماعة بسرعة عندما تنتهي الحاجةُ إليها.

القدرة على إحداث توازنٍ بين الأهداف المتعارضة: يرغب الزبون في منتَجٍ ذي جودة عالية، وتكاليف يمكن التنبؤ بها، أما المؤسسة، فتريد جنيَ أرباح أعلى، وتطوير الإمكانات الفنية للمستقبل، وتمثل هذه الأهدافُ المتعارضة نقطةَ تركيز لتوجيه الأنشطة، وتجاوز ذلك التعارض، فبوسع المسؤول عن التسويق تمثيل الزبائن، والمسؤولُ عن التمويل يمكنه الحفاظ على الأرباح العالية، كما يمكن للمهندسين السعي نحو الارتقاء بالإمكانات الفنية.

أداءٌ أعلى: قد يمتلك الموظفون الذين يعملون على فِرَق مشاريع خاصة شعورًا عاليًا بالتملُّك، والالتزام، والتحفيز.

فُرصٌ للتطور الشخصي، والمهني: تُعطي هيكليةُ المشروع الأفراد فرصةَ تطوير المهارات الفنية، وتلك الخاصة بعلاقاتهم بالآخرين، وتقويتها.

أما عيوب الهيكلية المصفوفية، فتتضمن ما يلي:

الصراع على السلطة: قد يكون لدى كل من المديرين الوظيفيين، ومديري الإنتاج، أهدافًا، وأنماطَ إدارةٍ مختلفة.

الالتباس بين أفراد الفريق: فقد يكون هناك غموضٌ حول مسؤوليات العمل، والجهات التي ينبغي تقديم التقارير إليها.

ضعف التماسُك: قد يواجه أعضاءُ الفريق العاملون في مجالاتٍ وظيفية مختلفة، صعوباتٍ في التواصل الفعال، والعمل الجماعي بوصفهم فريقًا واحدًا.

وعلى الرغم من أنّ الهيكلية المصفوفية يمكنها أن تطوِّر مرونةَ الشركة، وعملها الجماعي -تحاول بعضُ الشركات تبسيطَ الهيكليات المصفوفية المعقدة، التي تُنشئ مسؤولية محدودة، وتُعقِّدُ العمليات اليومية للشركة، ويرى بعض الرؤساء التنفيذيين، وغيرُهم من مديري الإدارة العليا، أن الهيكليات المصفوفية تسهِّلُ إلقاء اللوم على الآخرين، عندما لا تسير الأمور وفقًا لما هو مخطَّط له.

هيكلية اللجنة

وفقًا لهيكلية اللجنة، يتولى السلطةَ، والمسؤوليةَ، جماعةٌ بدلًا من فرد، وعادةً ما تكون اللجانُ جزءًا من مؤسسةٍ تنفيذية، واستشارية أكبر، وغالبًا ما يقتصر دورُ اللجان على الجانب الاستشاري، ولكن قد تحوزُ اللجنةُ في بعض الأحوال على سلطة اتخاذ القرارات، وتنفيذها، وبوسع اللجان جعلُ تنسيق المهمات في المؤسسةِ أكثر سهولة، فعلى سبيل المثال: لدى عملاقِ الصناعة الدوائية؛ شركة نوفارتس (Novartis) السويسرية، هيكليةُ لجنةٍ تقدم التقارير إلى مجلس الإدارة، وتعدُّ اللجنة التنفيذية لديها مسؤولةً عن الإشراف على العمليات التجارية داخل الشركات التابعة لها، بوصفها مؤسسة عالمية، وتتألف تلك اللجنةُ التنفيذية من الرئيس التنفيذي، والرئيس التنفيذي المالي، ورئيس الموارد البشرية، والمستشار العام، ورئيس العمليات، ورئيس البحث الطبي الحيوي، ورئيس التطوير الدوائي العالمي، والرؤساء التنفيذيين للوحدات الدوائية، ووحدات الأورام، والرؤساء التنفيذيين لشركتي ساندوز (Sandoz) و ألكون (Alcon)، وغيرها من الشركات التابعة لشركة نوفارتس، ويُنتخَبُ أعضاء اللجنة التنفيذية من قبل مجلس إدارة الشركة.

توقِّرُ اللجانُ وجهاتِ النظرٍ المتنوعة تجاه مشكلةٍ ما، فيتوسَّع بذلك نطاقُ الحلول الممكنة، ولكنَّ الأمر لا يخلو من بعض العيوب، فقد تكون عمليةُ اتخاذ القرارات من قبل اللجانِ بطيئةً، ويسيطر -أحيانًا- فردٌ واحد على اللجنة، كما يصعُب تحميلُ فردٍ ما المسؤولية عن قرارٍ اتخذته اللجنةُ مجتمعةً، وقد تأخذُ اجتماعاتُ اللجنة وقتًا طويلًا في بعض الأحيان، دون تحقيق كثيرٍ من النتائج.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Designing Organizational Structures) من كتاب introduction to business.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *