كيف يمكن للفشل المبكر القيادة إلى النجاح لاحقا

هدفك في مشروعك هو تحقيق النجاح، بل والنّجاح سريعًا، ولكنّ معظم رواد الأعمال الناجحين يواجهون بعض الإخفاقات في مسارهم، ورغم كون تلك الانتكاسات محبطة، إلاّ أنّها توفّر دروسًا وتجارب قد تؤدي إلى النجاح في نهاية المطاف. وسواءً كان العمل الجديد عبارة عن متجر بيع بالتجزئة، أو مطعمًا، أو صالون تصفيف الشعر، أو شركة استشارية، أو شركة تقنية، أو مستودع تصنيع، فالحقيقة هي فشل العديد من الشركات خلال العامين الأوّلين، فوفقًا لبلومبرج، 20٪ فقط من الشركات الجديدة تُحقّق النجاح خلال الثمانية عشر شهرًا الأولى، كما تشير بيانات موقع رائد الأعمال entrepreneur.com وإدارة الأعمال الصّغيرة الأمريكيّة إلى أنّ 30٪ فقط من المشاريع الجديدة تنجح في بلوغ عشر سنوات، لكن النجاح والاستدامة ممكنان بالطبع، فقط يتطلّب الأمر الكثير من العمل، وفي بعض الأحيان قد يستغرق محاولةً ثانيةً أو ثالثة.

يدرك رواد الأعمال أن الفشل جزء من نجاح صاحب الأعمال، ففشل الشّركة هو إنهاء العمل بسبب عدم تحقيق الهدف، سواءً عنى ذلك انخفاض مستويات الإيرادات والأرباح، أو عدم تلبية توقعات المستثمرين، إذ قد يؤدي فشل الشّركة إلى خسارة الأصول، من إيرادات ومعدّات ورأس مال، كما قد يسبّب صدمةً لمالك العمل. ومع ذلك، فغالبًا ما تساعد هذه الإخفاقات رواد الأعمال على تحسين نتائج أعمالهم التالية، حيث أنهم يتعلّمون من فشلهم دروسًا قيّمة يمكن تطبيقها على مشاريع جديدة. يقول الملياردير جاك ما، الملياردير مؤسِّس علي بابا Alibaba، وهو أكبر متاجر التّجزئة على الإنترنت، وأكثرها ربحيّةً في الصّين: “بغضّ النظر عما يفعله المرء، وبغضّ النظر عن الفشل أو النجاح، فالتجربة في حد ذاتها هي نوع من أنواع النجاح”. وقد واجد جاك نفسه العديد من الإخفاقات بما في ذلك فشله في الحصول على فرص عمل، ودخول جامعات كان يريدها، لكنه ثابر وأسّس موقع علي بابا، وكان يتعلّم على طول الطّريق، وهو اليوم يدير أكبر موقع بيع بالتّجزئة على الإنترنت، بإيرادات بلغت 74.1 مليار دولار خلال احتفال يوم العزّاب الصّينيّ (11 نوفمبر 2020) وحده.

شركة أخرى تسمّى كويركي Quirky أطلقها بن كوفمان في عام 2009، حيث كانت فشلاً أوليًا، وهي منصّة تسمح للمخترعين بتقديم أفكارهم إلى لجنة من خبراء كويركي الذين يُصنّعون المنتج بعد ذلك بسعر منخفض وبيعه في أسواق مختلفة. في البداية، حصلت الشّركة على تمويل بقيمة 185 مليون دولار، وكانت لديها شراكات دعم من أمازون Amazon، و باد باث وبيوند Bed Bath & Beyond، وباست باي Best Buy، كما توافد آلاف الأشخاص على الموقع وقدّموا اختراعاتهم لمشاهدتها والتصويت عليها، لكن لسوء الحظ عانت كويركي لبيع العديد من المنتجات بهامش ربح مستدام، وقدّمت طلبًا للإفلاس في عام 2015 بعد توقُّف المستثمرين عن تمويل المشروع، ولحسن الحظ فُكّك أحد أعمالها التجارية، وهو قسم الأعمال المنزلية الذكية، وبيعه باسم وينك Wink في سبتمبر 2017، ليُعاد تشغيل الشركة من قِبل مجموعة جديدة من رواد الأعمال الذين لديهم نموذج أعمال أفضل.

الأسباب المشتركة المساهمة في الفشل

هناك بعض الأسباب الشائعة للفشل والتي غالبًا ما تجتمع لإنهاء العمل التجاري. ومع ذلك تتواجد طرق لمنع حدوث هذه الإخفاقات غالبًا.

سي بي إنسايتس CB Insights، وهي شركة تجمع البيانات وتحلّلها للشركات، وتستخدم التعلّم الآلي لمساعدتها في الإجابة على الأسئلة الإستراتيجية المعقدة، بحثت في العوامل التي ساهمت في إخفاق 101 من الشّركات النّاشئة، حيث يوضّح الشّكل 6.10 بعض العوامل الرئيسية التي حدّدتها في بحثها.

الشكل 6.10: تحدّد الشّركات النّاشئة المتعثّرة بعض العقبات المشتركة الحائلة دون النّجاح. حفظ الحقوق: الصورة مسجّلة باسم جامعة رايس، OpenStax، تحت التّرخيص CC BY 4.0

في المناقشة التالية، سنتوسع في بعض أسباب الفشل هذه ونقدّم المشورة حول كيفيّة تجنّبها، إذ سيمنحك التفكير في الإخفاقات التالية فكرةً عن الأخطاء الّتي قد تحدث في العمل، ولكنّه سيساعدك أيضًا على اكتشافها وتصحيحها قبل إطلاقها.

فشل التسويق

تنجم بعض حالات الفشل الأكثر شيوعًا عن أخطاء التسويق.

الخلط بين المنتج والخدمة. قد يكون من المضرّ إنشاء أو إدارة شركة بعقلية “أنا أيضًا”، وبدون عرض بيع فريد واضح أو تميُّز عن الشركات القائمة الأخرى، قد تساعد الإجابة على أسئلة مثل “لماذا يجب على العملاء ترك الشركات الأخرى لشراء منتجي؟” “ما هي الميزة التي أقدّمها ولا يقدمها أيّ شخص آخر؟” و”إذا فتحت محلًّا للزبادي في منطقة تجارية، فما الذي سيساعد عملي على التميّز عن جميع أماكن الزبادي والآيس كريم والحلويات والوجبات السريعة الأخرى؟” في إنشاء عمل تجاريّ مميّز، يتجاوز فكرة “أنا أيضا”، وينبغي سلوك هذه الطّريقة في صياغة مهمّتك وتصنيع منتجاتك وتوضيح فوائدها، وكذا في تحديد ميزة تنافس واضحة جدًّا يمكن ترجمتها إلى مقترح قيمة.

فقدان العميل المناسب. عدم الوصول إلى السوق المستهدف قد يؤدي إلى الفشل، فربّما تكون استهدفت في شركتك للرّحلات الخاصّة العزّاب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، والذين يرغبون في تجربة السفر بطريقة مختلفة، ولكن ربما يكون هدفك الأنسب أزواجًا لديهم أطفال، وأولئك الذين يبلغون من العمر 50 عامًا وأكثر، وبهذا تكون قد بذلت جهدًا ومالًا في مراسلات تسويقية إلى الفئة العمرية الخطأ، وهذا يمنعك من الاتصال بالمستهلك الحقيقي، لكن سيساعدك إجراء أبحاث السّوق في تحديد عميلك المناسب تحديدًا أدقّ.

فشل الإدارة

هذه بعض التحديات الإدارية النموذجية التي قد تكون ضارة.

تضاؤل الشّغف، أو خوض النّشاط التّجاري غير المناسب: في بعض الأحيان يكون فشل الشركة لسبب بسيط، هو فقدان المؤسِّس لحماسه بشأن العمل، بحيث لم يعد مهتمًا بإنجاحه، وفي أوقات أخرى قد تنبع المشكلة من عدم وجود التركيز أو الفكرة الصحيحة، والتي قد تأتي من نقص الوعي حول التوجّهات في السوق. جويل ديلجادو هو رائد أعمال شاب بدأ أول غرفة هروب في إل باسو تُسمّى إل باسو ديزاستر رووم 915 “El Paso Disaster Room 915” في عام 2015، حيث طوّر هذا العمل مع ثلاثة من أصدقائه بعد الكليّة مباشرة. ورغم تلقّي العمل استحسانًا كبيرًا من قبل الشباب الذين أرادوا هذا النوع الجديد من الترفيه، فقد قرّر ديلجادو بعد بضع سنوات إيقاف نشاطه ذاك وممارسة التدريس، والسّبب كان اضمحلال شغفه. في بعض الأحيان، يشعر رواد الأعمال بالملل من شركاتهم النّاشئة، ولكن هناك طرقًا لإبقاء العمل محمّسا من خلال تغيير عروض المنتجات.

مؤسّسون متناحرون: قد يؤدي عدم الاتفاق على إستراتيجيات واتجاهات الأعمال إلى كبح مُضيّ الشركات قدمًا، فإذا لم يعمل المؤسسون معًا ولم يتفقوا كثيرًا، فقد يؤدّي ذلك إلى حلّ الشّركة بسرعة، وقد تكون وجهات النظر المختلفة مفيدةً للأعمال التجارية، حيث قد تؤدي إلى وجهات نظر مكمّلة أخرى، ولكن عندما لا يُحلّ النزاع فسيصعُب الاستمرار إلى الأمام، حيث وجد بعض شركاء العمل أنفسهم مطرودين من قبل شركائهم التجاريين لمعاناة العلاقات من توتر عميق، وقد حدث هذا لستيف جوبز في عام 1985 عندما فصلته شركته الخاصة، ففي كثير من الأحيان يصعب تقييم متى سينشأ الخلاف، لذلك يوصى ب عمل شركاء الأعمال مع الأشخاص الذين لديهم نفس الحب للعمل وقيمه الأساسية، حتى لو كانوا يجلبون نقاط قوة ومزاجات مختلفة إلى الطاولة، فهذا يقلل من الخلافات ويحفظ على العلاقات، ويُعَدّ وجود عقد يحدّد المسؤول عن أيّ جزء من العمل وتعويضاته وما يحدث إذا غادر أيّ شخص، طريقةً جيدةً لضمان عدم ضياع الاستثمار إذا قرّر الشركاء الانفصال.

غياب التخطيط: من أضمنِ طرق الفشل هو عدم وجود خطة عمل أو خطة تسويق، فحتى استخدام طريقة الشّركة النّاشئة الليّنة يتطلّب نوعًا من التخطيط قبل الشروع في العملية، إذ سيساعد التخطيط أصحاب الأعمال على تجسيد الأفكار وفهم الأعمال بطريقة أفضل، كما قد يساعد اتباع خطة العمل وخطة التسويق في ترسيخ وجهة العمل، واختبار قابليّته للتطبيق، وما هي الموارد المطلوبة لإنجاحه. تخيّل صاحب عمل يفتح مطعمًا على سبيل المثال في سوق مزدحمة جدًّا، فقط ليدرك مدى المنافسة الموجودة في المنطقة، فإذا كان المالك قد أجرى بحثًا وخطّط للمستقبل، فسيكون تمييز المشروع من خلال نوع الطعام المقدم، أو الموقع، أو الأساليب الترويجية المختلفة لجمع العملاء ممكنًا؛ لكن سيؤدي الفشل في التخطيط لموقف مثل هذا إلى تحدّيات متتالية تُصعّب من الاستمرار، فقد يرفع المالك الأسعار مثلًا للتعويض عن الإيرادات الأقل من المتوقع، ولكن الأسعار المرتفعة ستؤدّي إلى إبعاد قاعدة العملاء الهشة ، وبهذا سيستحيل تحقيق الاستدامة في المشروع.

الفشل المالي

التدفق النقدي، والديون، ورأس المال ليست سوى بعض من العوامل المالية التي تلعب دورًا كبيرًا في نجاح أو فشل شركة ناشئة.

نقص السيولة: قد يؤدّي الافتقار إلى السّيولة اللّازمة لتشغيل الشركة إلى تعثّر عملياتها وتراجعها سريعًا، وإذا لم يكن هناك تدفق نقدي، فقد يشير هذا أيضًا إلى مدى فشل نموذج العمل، وتعني قلّة العملاء في مثالنا السّابق نقص التدفق النقدي في صورة إيرادات، وقد تُقدّم القروض بعض المساعدة أثناء العمل على بناء العملاء، لكن القدرة على متابعة العمل ستنتهي إذا لم ينمُ النشاط التجاري ويطور تدفقًا نقديًّا مستدامًا في ظل القروض محدودية المساعدة.

الدّيون الكثيرة: تضرّ الديون الكبيرة بالنّشاط التّجاري، فهي واجبة السداد، إذا كان صاحب المطعم في مثالنا يتحمل الكثير من الديون، فقد يواجه صعوبةً في سدادها بسبب نقص التدفق النقدي.

نقص رأس المال: غياب رأس المال الكافي يمنع الشركة من التوسع، أو حتى من تلبية طلب العملاء، وقد يساعد وجود خطّة عمل واضحة في تحديد المتطلّبات المالية، وهي المبيعات والأرباح المقدّرة المطلوبة لتحقيق الأهداف بنجاح، وقد يأتي تمويل الأعمال من مدّخرات صاحب المشروع الخاصة، والقروض المصرفية، والمستثمرين، وحتى الأصدقاء والعائلة. يُعَدّ التّمويل المناسب لبدء أو تطوير شركة ما أمرًا مفصليًّا في نجاحها أو فشلها، حيث سيحتاج صاحب المطعم في مثالنا إلى رأس مال كافٍ للاستثمار في معدّات المطبخ والأجهزة والأثاث لبدء العمل، وقد يؤدّي نقص رأس المال في شركة ناشئة إلى إغلاق الشركة قبل بدئها حتّى بمجرد تشغيل العمل، حيث يُعَدّ ضمان تلبية الأهداف المالية من خلال مقاييس مثل المبيعات والأرباح مساعدًا في منع نقص التدفق النقدي، وهو أمر ضروري للحفاظ على حياة الشّركة.

فشل الابتكار

قد يكون الابتكار صعبًا إذ يتطلب إبداعًا ومخاطرة، وغالبًا بعض الذاتية مع مراعاة المشاعر والحدس في اتخاذ القرار، لذا فالافتقار إلى الابتكار وعثراتُه تُعَدّ عقبات أمام النجاح.

الافتقار إلى الابتكار أو الفشل في التغيير الفعّال: الشركات التي لا تغيّر إستراتيجياتها، أو تقنياتها، أو منتجاتها تعرّض نشاطها للخطر، وبالمثل فتلك التي تتغير تغيُرًا خاطئًا فهي تخاطر بالفشل، وقد تساعد حلقة البناء والقياس والتعلم في تجنب هذه المخاطر من خلال تمييز ما يريده المستهلكون ويحتاجونه حقًا من خلال طلب تعقيباتهم.

فشلت بلوكباستر Blockbuster -التي حققت نجاحًا فوريًا في الثمانينيات- في بثّ الابتكار في نموذج أعمالها أو تحويله، فتوقفت عن العمل، فبعد إحداث متجر الفيديو ثورةً في صناعة الإعلام والأفلام من خلال عرض أغلفة أشرطة الفيديو على رفوف المتجر مرتّبةً حسب نوعه، مع الاحتفاظ بالأشرطة خلف البائع، إلى جانب إبقاء المتجر أبوابه مفتوحةً إلى ساعات متأخّرة لخدمة الزّبائن اللّيليّين، وأولئك المخطّطين متأخّرًا للاستمتاع بمشاهدة فلم ما، واستخدام المتجر لنظام حاسوبيّ لتسجيل الأشرطة المؤجّرة أين كانت حصّة الأسد من الرّبح نتاج الرسوم المفروضة على التأخّر في إرجاع الشّريط؛ ففي عام 1987 اشترى رجل الأعمال الأمريكيّ واين هويزنجا شركة بلوكباستر، وطوّرها إلى شركة ناجحة من خلال محاكاة نموذج ماكدونالدز، وبهذا نمت المؤسسة من عشرين موقعًا إلى أكثر من 9000 موقع، وفي سنة 1993 استحوذت شركة الإعلام العملاقة فياكوم Viacom على بلوكباستر في صفقة معقّدة. ولكن مع دخول تقنية البثّ الرقمي المباشر إلى السّوق، فشلت بلوكباستر في الابتكار بتوانيها عن اتّخاذ التحوّلات الضّروريّة في تقديمها للتّسلية، وعلى مدار العقد التالي، أصبح من الشائع رؤية متاجر بلوكباستر تعلّق على لافتاتها “إغلاق المتجر”، كما هو موضّح في الشّكل 7.10.

لم تكن التّقنية الجديدة هي السّبب الوحيد في فشل بلوكباستر، فتقاعُس الشّركة عن التطوّر مع التّقنية صاحبه افتقار إلى رعاية ثقافة الإبداع لدى موظّفيها ممّا أعاق الابتكار، إلى جانب افتقارها إلى القيادة الحكيمة واحتياجها لثقافة التّعاون وفرق العمل لتسهيل التّواصل مع أصحاب المصلحة، من موظّفين، وعملاء، وإدارة عليا. وأخيرًا، سنة 2013، أغلقت الشّركة جميع متاجرها باستثناء واحد، وكانت نتفليكس Netflix وقتها قد غيّرت تمامًا ساحة خدمات البث الرقمي.

الخوف من الفشل

حتى الخوف من الفشل قد يكون كافيًا لقيادة الشركة إلى الفشل، كما يمكن للخوف أن يجمّد رواد الأعمال ويثبّطهم عن تطوير أعمالهم. وقد يمنعهم من الوصول إلى العملاء المحتملين وتحقيق الأرباح. فعندما تواجه الشركات صعوبات، فسينعكس ذلك على أصحابها في اختبارهم للعديد من المشاعر، مثل: الألم، والحزن، والعار، والإذلال، ولوم الذات، والغضب، واليأس. بحيث يصعب فصل فشل العمل عن الفشل الشخصي، نظرًا لارتباط العمل غالبًا بهويّة رائد الأعمال، لكن قد تساعد إدارة هذه المشاعر رواد الأعمال على التعافي والاستمرار في المضي قدمًا إلى أعمالهم التالية، كما يمكن الحصول على المساعدة في التّعامل مع هذه المشاعر بطلب النّصح من موجّه موثوق، أو من خبير نفسيّ.

هناك أيضًا العديد من القصص عن رواد الأعمال الذين -رغم مخاوفهم- واصلوا العمل نحو هدفهم ونجحوا في تحقيقه، واستمروا في العمل، وقرّروا أن الخوف لن يسيطر على حياتهم. يقول المؤلّف ورائد الأعمال المتسلسل توني روبينز: “يخاف الناس من الفشل لأنه مؤلم، وعادة النّاس هي تجنُّب الألم والمعاناة بأيّ ثمن”، كما يقول أيضًا: “الفشل هو الخسارة المطلقة”، لكنّ التّغلب على الخوف لا يجب أن يكون مؤلمًا إذا تصوّرته مجرّد برنامج أو فكرة ضارّة تدور في ذهنك، لكن يميل البشر إلى الإيمان بعدم قدرتهم على النّجاح، وأنّهم ليسوا على قدر كافٍ من الكفاءة، وهذه المعتقدات تترسّخ في أذهانهم لينجرّ عنها تثبيط الإبداع والنّجاح.

نذكر في الجدول 3.10 بعض علامات الخوف من الفشل.

table {
width: 100%;
}

thead {
vertical-align: middle;
text-align: center;
}

td, th {
border: 1px solid #dddddd;
text-align: right;
padding: 8px;
text-align: inherit;

}
tr:nth-child(even) {
background-color: #dddddd;
}

علامات الخوف من الفشل

الاعتقاد بأنك لست جيدًا بما فيه الكفاية، أو أنك لست ذكيًا بما يكفي لتكون ناجحًا.

الشعور بضرورة مثاليّتك في كلّ ما تفعله، والشعور بالحاجة إلى الحصول على موافقة الآخرين.

عدم الرغبة في التكيف أو المرونة، وعدم الرغبة في التعامل مع عملاء أو مشاريع صعبة.

الشعور بالقلق حيال الأداء، وترك الأشياء لوقت لاحق، وعدم متابعة الخطط.

الجدول 3.10 قد يجمّد الخوف رواد الأعمال، لذا فمن المهمّ التخلّي عن أنماط التّفكير القديمة واعتماد نظرة إيجابيّة، فقد يساعدك هذا على المضي قدمًا رغم الخوف؛ إلى جانب امتلاك موجّهين يمكنهم مساعدتك في التّعامل مع الأفكار والعواطف السلبية.

غالبًا ما ينبع الخوف من الفشل من الأفكار القاصرة، أو الاعتقاد بعدم امتلاكِك للخبرة والمهارات اللازمة للنجاح، وأنك لست ذكيًا بما يكفي، حيث يمكن لأفكار كهذه منع أيّ شخص من بدء أعماله أو تطويرها.

يميل الأفراد الذين يعانون من مستوى عالٍ من التوتر بشأن الفشل إلى الشّعور بالقلق، والافتقار إلى احترام الذات، كما يميلون إلى تجنّب الأشياء الجديدة أو غير المألوفة بأيّ ثمن. ولحسن الحظ، يمكن السيطرة على هذه السّمات والسّلوكيات وقهرها.

سيخبرك معظم رواد الأعمال أنّه في مرحلة ما، كان عليهم محاربة مخاوفهم قبل تحقيقهم لأيّ نجاح، وأنّ كلّ نجاح حقّقوه قد حمل وراءه العديد من الإخفاقات، ورغم اعتقاد الكثير من الناس عمومًا أنّ الأشخاص العظماء والناجحين قد ولدوا بهذه الطريقة، إلّا أن هذا ليس صحيحًا.

كان مايكل جوردان على سبيل المثال، أحد أكثر لاعبي كرة السلة نجاحًا على الإطلاق، ولديه خمس خواتم بطولات، وآلاف من النقاط والتمريرات الحاسمة، لكنه كثيرًا ما قال أنّه مدين بنجاحه بالفشل، فقد قال “لقد ضيّعت أكثر من 9000 تسديدة في مسيرتي، وخسرت ما يقرب من 300 مباراة. لقد عقد زملائي وجمهوري عليّ الأمل 26 مرّةً لأسجّل نقطة الفوز بالمباراة، ومع ذلك فشلت. لقد فشلت مرارًا وتكرارًا في حياتي وهذا هو سبب نجاحي “.

كان جيمس دايسون مؤسَّس ومخترع مكنسة دايسون الكهربائية، قد فشل 5126 مرّةً قبل إتيانه بمكنسته الكهربائية الإعصار المزدوج Dual Cyclone في عام 1993، وبعد خمسة عشر عامًا من ابتكاره للنسخة الأولى، وعندما سُئل عن الكيفية التي ساعده بها الفشل، قال: “الفشل مثير للاهتمام، فهو جزء من إحراز التقدُّم. أنت لا تتعلم أبدًا من النجاح، لكنّك تتعلم من الفشل، فعندما أنشأتُ مكنسة الإعصار المزدوج بدأت بفكرة بسيطة، وفي النهاية أصبحَتْ أكثر جرأةً وإثارةً للاهتمام. لقد وصلت إلى مكان لم أكن أتخيله أبدًا لأنّني تعلمت ما الذي نجح وما لم ينجح”، كما يقول دايسون أنّه يتبنى المخاطرة والفشل باستمرار، كما يسمح لموظّفيه باستكشاف ذلك، إذ قال: “لا شيء يضاهي إثارة الاختراع، فهو يسمح للناس بالخروج وتجريب أفكارهم، وإشراكهم بالكامل، وإطلاق العنان لتفكير جديد، إضافةً لعدم إلزاميّتهم بأيّ منهجية، فكلّما كانت الفكرة أغرب وأخطر، كان ذلك أفضل.”

الخوف من الفشل حول العالم

يتأثر الخوف من الفشل وفقًا للأبحاث بتربية الناس وخلفياتهم الثقافية، وقد درست هذا الموضوع منظَّمة رصد ريادة الأعمال العالمية Global Entrepreneurship Monitor، واختصارًا GEM، وهي منظمة تبحث في ريادة الأعمال حول العالم، ووفقًا لتقريرها عن سنتيّ 2018-2019، لا يخشى الأمريكيون الفشل في الأعمال التجارية بدرجة خشية مواطني الكثير من الدّول الأخرى، حيث يظهر الخوف من الفشل في أعلى درجاته في اليونان وإيطاليا وروسيا وقبرص، وأدناها في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. فعادةً ما يكون الخوف في أدنى مستوياته في البلدان التي يوجد فيها عدد قليل من الوظائف، فيتعيّن على الناس أن يصبحوا روّاد أعمال من أجل البقاء.

كما تشير GEM أيضًا إلى أنّ النساء عادةً ما يكُنّ أكثر خوفًا من الفشل من الرجال، ويُظهرن ثقةً أقل في قدراتهن، وحتّى أولئك اللّواتي يتحدّين خوفهنّ يقتصرن على فتح مشاريع في الصناعات الاستهلاكية، في حين تكون الشركات الناشئة التي يقودها الذكور غالبًا في قطاعَي التصنيع والتقنية، كما يتلقّى الرجال المزيد من رأس المال والحوافز لفتح هذه الشركات، وقد يُعزى هذا إلى نقص عدد النساء في مجالات العلوم والتقنية. تؤكّد دراسات أخرى نتائج GEM، حيث تُظهر أنّ النساء أكثر خوفًا من بدء عمل تجاري، حيث لا يتلقّين الكثير من التمويل، ويشعرن بضرورة إثبات أنفسهن أكثر من الرجال ليؤخذْن على محمل الجدّ.

ماذا يعلمك الفشل

قد يجادل البعض بعدم وجود الفشل في الواقع، بحيث لا يوجد سوى فشل في مخيّلة الفاشل، أو عقبات قد تصبح درجات يتسلّقها المرء إلى نتيجة أفضل، كما تكمن أهميّة الفشل في تعلّم كيفيّة النّهوض من جديد.

بينما كان إريك ريس يتهاوى إلى الفشل مع شركته الأولى، وانتابه الغمّ وخيبة الأمل جرّاء الاضطرار إلى التخلي عن فكرة غير ناجحة، طبّق دروسه لإنشاء شركته الجديدة للواقع الافتراضي IMVU، وبهذا أصبحت IMVU بعد ذلك تجربةً ناجحةً للغاية اشتقّ منها طريقة الشّركة النّاشئة الليّنة، فقد كان قادرًا على تحديد عيوبه وإيجاد طرق لتحسين نفسه وأدائه، كما تمكن بفضل شركته الجديدة من توصيل المنتج إلى السوق توصيلًا أسرع دون أن يكون مثاليًا، وحصل على التّعقيبات الضّروريّة الّتي لم يحصل عليها من العملاء سابقًا.

تحويل الدروس المستفادة إلى نجاح

سيخبرك معظم أصحاب الأعمال الناجحة أنّ النجاح لم يتحقّق لهم بسهولة، فقد كان عليهم المثابرة في السعي لتحقيق أهدافهم، وغالبًا ما أدّى التعلّم من الإخفاق إلى تحقيق نجاح أكبر مما كانوا يتخيّلون، حيث يمكن لرواد الأعمال الذين يمكنهم تحويل عقباتهم إلى دروس إيجابية، النهوض من الفشل.

خذ مثلاً إيفان ويليامز الذي أطلق أداةً برمجيةً لمساعدة المستخدمين على نشر المدوّنات بسهولة، حيث انطلق مشروعه بلوجر دوت كوم Blogger.com سنة 1999، واشترته جووجل سنة 2003. ليُقرّر في العام الموالي إنشاء أوديو Odeo، وهي منصّة لإنشاء ومشاركة المدونات الصّوتية بودكاست Podcast. وكانت شركة آبل Apple تُطوّر آي تيونز Itunes الفكرة ذاتها، فلم يرغب ويليامز في مجابهتها، لأنّ ذلك كان سيعني تدمير شركته، واختار بدلًا من ذلك تحويل تركيزه إلى إنشاء طريقة جديدة لنشر التّدوينات القصيرة، حيث أخذ ويليامز فشله ذاك، وأسّس بالاشتراك مع بعض أصدقائه تويتر Twitter وهي منصّة أشهر من أن نعرّف بها.

عانت كاثرين مينشو هي الأخرى من الفشل، ففي سنة 2010 تركت وظيفتها اليوميّة لإنشاء PYP وهي اختصار لـ Pretty Young Professionals بمعنى محترفات شابّات، واستثمرت 25000 دولار من مالها الخاصّ لتطوير هذه المنصّة الشّبكيّة الموجّهة إلى النّسوة اللّواتي يتمتّعن بالذّكاء والشّغف تجاه وظائفهنّ، وبعد بضعة أشهر ظهرت الخلافات بين كاثرين وثلاثة مؤسِّسات للشّركة، وتسبّب عدم ترسيم الملكيّة على الشّركة إلى فقدان كاثرين ومؤسِّسة أخرى لاستثمارهما، وبعد معاناتها من خسارة استثماراتها، وصداقاتها، والفكرة الأصلية، ثابرت كاثرين في السّعي وراء فرصة جديدة، وأنشأت ذا ميوز The Muse، وهي منصة تشبه PYP، ولكنها أضافت قوائم الوظائف، وورشات العمل، وجناحًا للنصائح، ويضمّ الموقع حاليًا أكثر من 4 ملايين مستخدم، وهو منافس رئيسي لـمنصّة لينكد إن LinkedIn. لم تدع كاثرين خيبة أملها الأولى تمنعها من بدء مشروع جديد، وطبّقت الدروس المستفادة في بناء المنصة الأصلية لإنشاء منصّة جديدة، مع العقود والأشخاص المناسبين هذه المرّة.

لا تَقلّ القدرة على التعلم من أنواع مختلفة من الفشل أهميةً عن تجربة النجاح، لأنّك تتعرف على نقاط قوّتك وكيفية الاستفادة منها، حيث يمكن النظر إلى الإخفاقات على أنها نقاط انطلاق لا دواعي إحراج. وفي الجدول 4.10 نصائح حول تحويل الدّروس إلى نجاحات.

نصائح لتحويل الدروس إلى نجاحات

تخلص من الخوف من الفشل: فهو ليس بالسوء الذي تعتقده.

جرِّب أشياءً جديدةً في عملك، وخُض المخاطر إذا لزم الأمر.

كن مبادرا! استمع إلى حدسك، حتّى ولو لم تكن مستعدًّا.

أُطلب التّعقيبات، ولا تخف من سماع الأشياء السلبية.

كن على استعداد للتغيير عندما لا تسير الأمور كما ينبغي.

تعلّم من الآخرين وكُن على استعداد لطلب المساعدة.

الجدول 4.10

التعامل مع الخوف

عند التعامل مع الخوف من الفشل، هناك استراتيجيّتان يمكن لروّاد الأعمال استخدامهما:

تعديل استراتيجية عملك من خلال تغيير النتائج المستهدفة لعملك بدلاً من وضع هدف بكسب 50000 دولار في الأشهر الستة الأولى، حيث يمكنك أن تكون منفتحًا على فكرة البداية الأقل حجمًا، والتعرف على عملائك وأفضل طريقة لخدمتهم، فقد تكون أهداف التعلّم والتطوّر بقيمة تحقيق هدف الإيرادات المُسطّر من حيث نجاح الشّركة واستدامتها، وإذا لم تحقّق هدفًا ما فلا تعُدّه فشلًا تامًّا، فقط أعِد التركيز واسأل نفسك عمّا تعلمته من التجربة وكيفية تطبيق تلك المعرفة على هدف منقّح، فمن المرجح إيجادك أنّ التجربة قد عزّزت مجموعة أدواتك لمساعدتك في إجراء تغييرات داخل شركتك، أو بدء واحدة جديدة.

الطريقة الثانية لتقليل التوتر الشديد هي طلب المساعدة من موجّه، أو مجموعة دعم، أو خبير نفسيّ.

ترجمة -وبتصرف- للفصل Why Early Failure Can Lead to Success Later من كتاب Entrepreneurship.

اقرأ أيضًا

المقال التالي: ملكية الأعمال والخطة الأولية لإدارة الأعمال

المقال السابق: الشركة الناشئة اللينة وبدء النشاط التجاري غير المثالي

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *